أغنية تتدلّى بقلبي

محمد عيد ابراهيم
قصائد: جيمس جويس
 


لا يعرف الكثيرون شيئاً عن شِعر الروائيّ الايرلندي الأشهر جيمس جويس (1882 ـ 1941)، حيث لا تزال الاستبيانات تضع روايته “عوليس” على رأس قائمة الروايات الأفضل أو الأشهر أو الأكثر قراءة في العالم، حتى أن بعض المواقع تضع صورة شهيرة للممثلة مارلين مونرو وهي شبه عارية تقرأ “عوليس”. لكن شِعره يزاحم أحياناً أعماله الروائية الخالدة، حيث يُعدّ ديوانه “غرفة الموسيقى” اليوم عملاً كلاسيكياً رفيعاً، مع أنه يحكي فيه عن عالم رومانسيّ أو في أحسن الأحوال رمزيّ، لكن لغته بخروجها عن المألوف هي ما تضعه في هذا المصافّ.

تنزيل (1)

على الرغم من الشهرة التي طبّقت الآفاق وشغلَت الناس بسبب رواياته، إلا أن جيمس جويس عاش في فقر مدقع معظم الوقت، حيث كتب رائعته “عوليس” وعيناه مريضتان، وساعده عزرا باوند، الأديب الأمريكيّ العرّاب، بمبلغ بسيط في استكمالها، حيث كان يؤمن بعبقرتيه التي لم ينعم جويس بثمارها إلا بعد وفاته. والغريب أنه توفّي بعد كتابة روايته الثالثة والأخيرة “سهرة فينجنز”، فكأنه انتهى من دوره في الحياة. لكن المشكلة التي أنشأها جويس، لدى كلّ من كتب رواية بعده، هي، كما قال أحد النقّاد “لقد كان جويس، وسيظلّ، فريداً بين الروائيين، حيث لم يسطّر إلا الروائع”.

                                                                                                                ( المترجم)                        

جاءنا الحبّ

جاءَنا الحبُّ من حيثُ راحَ الزمنُ

حينما عزفَ امرؤٌ خجلانَ عندَ الشفَقِ

وامرؤٌ من خوفهِ يقفُ قريباً ـ

فالحبُّ في مبتدأه مقرورٌ.

نحنُ عشاقٌ غامضونَ. الحبُّ ماضٍ

حيثُ قضَى المرءُ ساعاتٍ مُستلذّاً؛

فأهلاً بكَ الآنَ أخيراً عندنا

في الطرقِ التي سوفَ نمضي عليها.

قلبي الغالي

قلبيَ الغالي، لِمَ تستعملُني هكذا؟

تلومُني عيناكِ الغاليتانِ في رِفقٍ،

لا تزالينَ جميلةً، لكن آهٍ

كيف يكسُوني جمالكِ؟

خلالَ مرآةِ عينيكِ الصافيةِ،

خلالَ الآهةِ الخافتةِ منَ قُبلةٍ إلى قبلةٍ،

تُغيرُ الرياحُ العاتيةُ بالصرخاتِ

على الحديقةِ الظليلةِ حيثُ الغرامُ.

بمجرّدِ أن ينحلّ الغرامُ

تهبُّ علينا الرياحُ الهمجيةُ ـ

لكنكِ، يا حبّي الغالي، الغالي عليَّ،

أَسَفاً! لِمَ تستعملُني هكذا؟

زهرة أَهبها لابنتي

وردةٌ بيضاءُ هشّةٌ، وهشّةٌ

يداها الواهبتان

روحُها ذابلةٌ وأشدّ شُحوباً من

موجةِ الزمنِ الليّنةِ.

وردةٌ هشّةٌ وبديعةٌ ـ بل هشّةٌ أكثرَ

بريةٌ معجزةٌ

في عينيكِ الوادعتَين الموشّحتَين،

يا ابنتي، بمِزاجٍ حزينٍ.

هو ذا عبده

من ماضٍ داكنٍ

ولِدَ الطفلُ؛

ما بينَ فَرْحٍ وتَرْحٍ

تمزّقَ قلبي.

هادئاً في مهدهِ

يرقدُ الحيُّ.

قد يفتحُ عينيهِ

الحبُّ والرحمةُ!

في المرآةِ

تتنفّسُ حياةٌ صغيرةٌ؛

دُنيا لم تكُن

تأتي لتمرَّ.

طفلٌ نائمٌ:

وعجوزٌ رحلَ.

يا أبانا المنبوذَ،

سامِحْ وليدكَ!

نجم بالسماء

حينَ يمضي النجمُ في حياءٍ قُدُماً بالسماءِ

بتولاً، مفطورَ القلبِ،

تسمعُ وسطَ النعاسِ

مَن كانَ يغنّي عندَ بابكَ.

أغنيتهُ أعذَب من الندَى

وهو قادمٌ ليزوركَ.

فلا تَمِل مُستغرِقاً

حينَ يدعوكَ بالمساءِ.

ليسَ شاعراً: فمَن هذا المُغنِّي

لِمَن هذه الأغنيةُ التي تتدلَّى بقلبي؟

ثم تعرفُ أنهُ نشيدُ العاشقِ،

وأكونُ مَن زاركَ.

* شاعر ومترجم من مصر