الآخر

مامون التلب

وقع هذا الحادث اللطيف قبل أيام:

التقيت الفتاة التي عشقتها في سنوات مراهقتي، كان عشقاً ميؤوساً منه ولا مستقبلَ له إطلاقاً، ولكن، كما هو عشق المراهقة، فهو مندفعٌ وله أسرار. لم نتحدث طوال فترة العشق التي دامت لعامين سوى مرةٍ واحدة، ولمدّة عشر دقائق فقط، في الشارع العام، وفي الحقيقة كانت النتيجة الصادقة هي أننا لم نتحدث بتاتاً؛ كان أمراً مُحرجاً بطريقةٍ بليدة، انتظرتها وقد تحوّل جسدي كلّه إلى طبلٍ نابض، وبدأت أشعرُ بقلبي مُعلَّقاً في حلقي تماماً، سادَّاً الطريق أمام أية كلمةٍ من الممكن أن تَفتَح باباً. المرعب كان أنها تُفاجأ بوجودي في الطرف الآخر من الشارع –ما زاد من ضرب الطبل هديراً- إذ لم نكن على موعد، ولم نتحدث من قبل، فقط نتبادل النظرات من دون ابتسامٍ حتّى؛ نظرات عميقة ومُتحدثة، عادةً لا تزيد عن ثوانٍ في لقاء مُفبرك في الأزقة التي لا تنتمي لطريق بيتنا، ولكنها في الحي! (إيّاك والوقوع في حبّ فتاةٍ في الحي-حكمة التجربة). عندما لمحتني ابتسمت وتقدّمنا باتجاه بعضنا. سلّمت عليها ولم يمن عليّ الله إلا بجملةٍ مبحوحةٍ خرجت مُتحشرجةً من حلقي: (ماشا البيت؟) فردّت بابتسامةٍ قاتلة أخرستني إلى حين صعودنا إلى الحافلة، وجلوسنا خلف بعضنا في الكراسي الوسطيّة (أي لا مجال للكلام)، ثمَّ نَزلت في محطّتها وتبتسم –يا للهول- للمرة الثانية كوداعٍ فتركتني في الحافلةِ حطاماً. لم أكرر المحاولة، ولست أذكر كيف تجاوزت الأمر إلى اليوم!

قبل أسابيع انتابتني رغبة للخروج في أيام الإجازات للتجول في حيّنا القديم، دفعني لذلك قراءَتي الحالية لرواية (متحف البراءة) للروائي التركي أورهان باموق، والتي تدور في الحي الذي ترعرع فيه، أزقته وتفاصيله، وكنت أفتقد ذلك لابتعادي عن حيّنا القديم لسنواتٍ حيث عشت في الخرطوم قريباً من العمل. والرواية هي قصة (عشق) واقعيّة جداً تنُاقض ما تنتجه السينما والدراما التركيّة حول علاقة العاشق الغني مع الحبيبة الفقيرة، والتي بدت لي دائماً –مع قراءتي للأدب التركي- مفارقة للواقع، أو كما وصفها كمال، بطل ومؤسس (متحف البراءة) في الجزئية التالية، حيث كان يخرج برفقة معشوقته الفقيرة وزوجها، وهي قريبته من جهةٍ بعيدة، فرعٍ فقيرٍ ومنبوذٍ من العائلة؛ وهي تزوّجت –بعد أن أعلن هو عن خطوبته من فتاة برجوازية- بكاتب سيناريو فقير، وهو يطمح في استغلال القرابة مع كمال الغني جداً، دون أن يعلم شيئاً عن الماضي الذي جمع كمال بزوجته في الماضي. كانوا يخرجون لمشاهدة الأفلام، ومنها أفلام كتبها الزوج الذي أصبح نوعاً ما معروفاً. يقول كمال: (عندما يتعكّر مزاجي نتيجة الغيرة، تبدو لي الأفلام التي شاهدناها على مدى أسابيع، وليس هذا الفيلم فقط، سيئةً بعيدةً عن الأخلاق، وسطحيّةً بخبل، ومنفصلةً عن الواقع إلى درجة الشفقة. سئِمتُ من أولئك العشاق الذين يغنّون بين حينٍ وحين، والفتيات القرويات المحجبات ولكن شفاههنّ مصبوغة ويُصبِحنَ مغنّيات خلال يومين).

ممرت قبل أيام من أمام بيتهم، لم أتوقّع أن يمنّ عليَّ العالم بخروجها، في ذات الوقت، مع طفلةٍ تناديها بـ(ماما)، لإحضار شيءٍ من الدكان، التقت عينانا لخطفةٍ فقط فأنزلتُ بصري مباشرةً، وسلّمت بصوتٍ منخفضٍ ومؤدّب، فردّت السلام وانتهى كل شيء؛ لم أرَ تعبيرَ وجهها، ولكنني كنتُ أتذكّر ذلك الموقف المُضحك، وتتسع ابتسامتي بالتدريج، إلى أن وصلت إلى قهقهةٍ عندما وصلت إلى البيت. لقد اشتقت إلى ذلك المراهق المثالي، مأمون، والبراءة الشديدة السابقة لعصر الشاعر المتوحّش الذي احتلَّه من عمقٍ في الداخل حتَّى أشعلَ شعره وحياتَه شيباً وملأ حياته بالشعر والأدب. قلت عنه في الماضي البعيد (2006م):

[رُبَمَا يَبْدُو لِيَ مَشْهَدَاً مُضْحِكَاً، ذَلِكَ الَّذِي كُنْتُ أَلْعَبُ فِيْهِ دَوْرَ السَّعِيد بِكِتَابَةِ القَصيْدَةِ الأوْلَى، وسَعِيْدٌ بَأَن يَقْرَأهَا شَخْصٌ آخَرْ، تَبْدُو لِي الابْتِسَامَة في ذَلِكَ المَشْهَد أَقْرَب لِلبَلاهَةْ لأنَّها مُشَبَّعَةٌ بِالجَهَلِ ويُمْكِنُنِي -إنْ حَمِّضَتُ صُوَرَة المَشْهَد بِمحالِيلَ أُخْرَى- أنْ أَرَى كَائِنَاً بَشِعَاً يُشِعُّ بِالشُّرُوْرِ بِفَمِهِ المَجْرُوحِ بأنْيَابٍ تَبْدُو لِي الآن أَلِيْفَةً جِدَّاً، يُمْكِنُنِي أَنْ أَرَى ذَلِكَ الكَائِنْ وَهُوَ يَمدُّ رَأْسَهُ مِنْ فَوقِ كَتِفِي ليُشَاهِدني بِتَهَكمٍ مفْضُوحٍ بَيْنَمَا كُنْتُ أَغْرَقُ في الفَخِّ، وهُوَ يُشَاهِدُ تِلْكَ الرَّغْبَة المَحْشُوّة بِبَرَكَاتِ الآخَرِيْنَ وَمَرَايَاهُمْ الَّتِي يَرْفَعُونَهَا لَكَ لِتَرَى كَمْ تَبْدُو جَمِيْلاً بِرِدَاءِ الشَّاعِرِ المَلاك. يُمْكِنُنِي أَنْ أَسْخَرَ مِنِّي وأُعْجب بِذَلِكَ الكَائِنْ الدَّاهِيَة، وكَيْفَ تَبَادَلَ مَعِي الأَدْوَار الآن بَعْدَمَا عَرِفْتُ تَمَامَاً كَيْفَ يَبْدُو هَذَا الطَّرِيْق. كَيْفَ تَبَادَلْنَا الأَدْوَار وكَيْفَ حَدَثَ ذَلِكَ؟ لا أَدْرِيْ].

* شاعر وكاتب من السودان.

* تم النشر تزامناً مع ملف الممر الثقافي الذي تُصدره جريدة السوداني بالخرطوم.