الأمْوَاتُ يعْشَقُونَ أَيْضاً

فاطمة

في الحرْب فقدتُ ذاكرتي و شَعري

سَمَّوْني ”ناديه” ”ممرّضة“ ”الهلال الأحْمر“

راسلني جنود كُثْرٌ

لكنني أَحْبَبتُ رجلاً وحيداً و أعزل

أقْطفُ الأقمارَ من صوْتِه

و أسْتحضُر طَيفَه لأنْجو بقلْبي من صوْت القنابل.

ميِّتين، كُنّا نشْعرُ بالحُبّ

هو يعشقُ ما تبقَّى من وجهي

أنا أكسر عِظام أصابعه التي أحبّ

ألقيها في الجحيم لنَتدفّأ

نشْربُ المياه العكرة

نخْبَ تَفْصيلٍ صغيرٍ :أنْ نَحْيَا بلا عطشٍ

الحياة لذيذة في البدء حتى مع الحرب

حتى و أنا أقتطع من جسدي

كي لا يجوع شيطان يرقد في التّفاصيل

التّفاصيل التي أخفيتها عن أنفاس حبيبي

لأنّني رأيتُ قلبه قبل الآن يميلُ ،

و يدي المَخْذولَة تسقْطُ من يديه

و تتمرّغُ في الفراغ.

الأموَاتُ يعْشَقُونَ أَيْضاً!

فكيفَ يتركُ امرأة مثلي تَموتُ وحيدةً؟

أحْصي ليلا بذاكرتي المثقوبة

أحزاني،

الأعشاش التي طيّرني منها،

الّلغات التي تكلّمتها و في الأخير لم يفهمني،

تقاسيم وجهي الذي حافظت عليه من النّدوب و التّجاعيد،

لكن عقلي لم ينج

و قلبي أيضا.

هذا كان نصيبي في الحب.

ذاكرة مثقوبة

قلب هشّ

شجرة أقمار و سماوات غريبة طيّرني إليها

و رسائل بلغات لا أفهمها.

كنتٌ حذّرت هذا الرّجل من حُبّي،

لم أكن من عسل أو مخمل

بمئزر أبيض

أو بيجامة ورديّة

منمّقة بدببة استوائيّة مهدّدة بالانقراض،

كنتُ من شوكٍ و مرارةٍ

الجثث تنْمو من حوْلي

الحرب تمتدُّ بلا سبب

و لا أعرفُ من منّا خذل الآخر.

* شاعرة من تونس