المسجد الجامع بالقيروان (نوايا الانسان وسجايا الحجر)

يحيى222

مثلما بُنيت مدينة القيروان بعد الفتح الإسلامي لشمال أفريقيا، بُني جامعها الكبير ويسمونه أيضا جامع عقبة بن نافع نسبة للقائد الأموي الذي اخضع القيروان كليا في حملته الثالثة عليها عام 665 م . ويقال أن المدينة شيدت على أنقاض حصن للروم ودام بناؤها خمس سنوات انتهى عام 670 م، بعد عام تم بناء الجامع الواقع في الطرف الشمالي من المدينة، فليس ” أقدم من المدينة جامعها ” كما هو متداول. والحال أنهما الاثنان ولدا في زمن واحد قبل ثلاثة عشر قرنا.

خلال عهود تلت بناءه تعرض الجامع إلى عمليات هدم كلية وإعادة بناء وهدم آخر وتخريب وتوسيع وإضافة… انتهى إلى شكله العام الذي نراه الآن سنة 826 م في زمن زياد الله بن إبراهيم بن ألأغلب (الحاكم الثالث لبني الأغلب) بعد أن هدم بسبب حرب أهلية. في عهود لاحقة وعلى يد الدول التي تعاقبت جرت عليه بعض الإضافات والإصلاحات كان آخرها على يد العثمانيين عام 1882 م، بيد إنها لم تغيّر من مساحته ولا من نمط بنائه. بعد هذا التاريخ تُرك الجامع لربه ينعم بالاستقرار والطمأنينة وإقامة الصلاة.

المسجد الجامع بالقيروان بكل مشاكله التاريخية (يمكن العودة إليها في حقل خاص ملحق بالمقالة) يؤكد على حقيقة تفيد بأنه حصيلة ثلاثة عشر قرنا ونيف من البناء والهدم والتخريب والتوسيع والإضافة والتزويق. لقد تضافرت مئات الفؤوس على هدمه وتعاضدت على بنائه مئات الأيدي والقلوب عبر مئات السنين. إنها قدرة فائقة على البقاء أبدعها حب الناس وتفانيهم.

قبل أن أدخل الجامع/ موضوعي أود الإشارة إلى أمرين: إن ما قرأته عن القيروان ومسجدها الكبير اعتمدته مصادر أرّخت نشأة الجامع وما جرى له طيلة عمره ليس الا. لم أكن معنيا بالتحقق من نزاهة المعلومة؛ مع وجود معلومات حصلت عليها تفيد أن الكثير منها غير دقيق أو جاء منحازا للعصبيات القومية والمذهبية السائدة. والأمر الثاني هو أني معني بالأثر الماثل أمامي في الحاضر بمعزل عن تاريخه باعتباره بنية معمارية ونصا بصريا يستدعي قراءة تفاصيله والبحث في خصائصه الجمالية. في رحابه لم أسأل نفسي كيف وصل إلينا إنما كيف يبدو الآن، ولم أجهد نفسي في تحليل الوقائع؛ من شيّد ومن هدّم ومن أضاف، إنما في تفكيك المشاهد والبحث في مفرداتها، في معايشة الأعمدة وتلمس سحنة الحجر وتقصي مسوغات دهشتي الفائقة. لقد فضلت الذهاب إلى ما هو غير مدون، إلى خارج تاريخ الأسماء، إلى ما يستبطنه الحجر ويقيم في صلابة ذاكرته المرئية. في أخاديد وعروق المرمر عثرت على أسئلتي الساذجة عن المعماري الذي صمم البناء، عن البنّاء والمزخرف والخطاط والنحات… عن عامة الناس الذين حملوا الحجارة الذين ظل أمرهم مجهولا في كتب التاريخ التي قرأتها.

وباختصار اقول أن ما شغلني حقا هو أمر العقل الذي نسج فكرة الجامع في خياله الحر والقلب الذي أحب الحجارة وحملها من أقصى البلاد ونصبها واثقا من جمالها ووفائها لتاريخها الخاص و للسقف الذي يغطي مئات الأمتار. هل كان مبدعو عمارة الجامع من الغرباء؟ ومن أين؟ المدونات لا تذكر أن عقبة بن نافع ومن جاء من بعده قد استقدم معماريين أو بناة أجانب. هل هم عبيد أو أسرى حرب تكتم المؤرخون على أمرهم لسبب من الاسباب؟ هل هم من أبناء المنطقة غير عرب وغير مسلمين دخلوا الإسلام مثلما دخل غيرهم من الأقوام بعد الفتح الإسلامي لدياره؟ هل يعقل أن يكون الشعب بأسره قد قام بذلك وليس من بينهم فردا متميزا يشار إليه؟  الشعب آنذاك كان خليطا من البربر/ السكان الأصليين للمنطقة، وعرب نازحين، وقبائل افريقية طوطمية، وأقوام تدين بالمسيحية، ويهود وبقايا رومان ورثوا الحضارة البيزنطية التي عمّت شمال أفريقيا قبل الفتح الإسلامي. في النهاية جنحت إلى ابسط إجابة لهذه الأسئلة: أنهم عقل خليط من هذا وذاك!

لست إزاء هدف أنثروبولوجي  في البحث عن أصل المبدع وثقافته الأم ، إنما لأجري مقاربة بينه وبين العمارة التي أبدعها في عهد لم تكن فيه العمارة الإسلامية قد نضجت خصائصها وثبتت عناصرها في المنطقة ، ولأبرر حدسي كون المعماري اشتغل بحكم تلك الأصول والثقافات وبنظام علاقاتها العضوية بالطبيعة التي تجسدت في النظام المعماري للبناء: وهو نظام غير مشذب، غشيم، إذا ما قورن بنمط العمارة الرومانية والبيزنطية بفخامتها وبذخها المفرط التي ملأت الأرض التونسية بعمرانها.

يكشف لنا الجامع الكبير في القيروان عن عمارة ذات منطق مغاير وذائقة تستبطن بدائية ثقافة شعبية، ثقافة غير مشذبة أهملت ترف العمارة المدنية أو على الأرجح أنها تجهل وسائل تحقيقها. عزز ذلك الواقع أن الحجارة والأعمدة التي جلبت من مختلف المناطق التونسية هي بقايا آثار رومانية وبيزنطية وكنائس هدمت في وقتها، فهي مواد مستعملة سابقا بعضها قد تكسر وتشوه شكله بفعل الهدم والنقل البدائي. لقد أدت مجموعة المواد المختلفة وغير المتماثلة إلى نتائج لم تكن في الحسبان، نتائج لا تنتمي لاسم بعينه ولا لمادة محددة ولا لزمن محسوب، حتى أن الجامع ذاته الذي شيده عقبة بن نافع لم يبق منه ذكرى سوى محراب يختفي خلف المحراب الذي بناه بنو الأغلب (يمكن مشاهدة محراب عقبة بن نافع عبر خروم المحراب القائم حاليا). إنها نتائج لا يمكن أن تركن في زاوية معينة، إذ أسهمت في صياغتها عوامل لا حصر لها مجهول أغلبها.

في عقل وقلب المعماري بدائية أفريقية، مصدرها البيئة ونمط العمارة الشائعة في البلاد آنذاك، ولدى البربر تحديدا، الذين اعتمدوا مواد الطبيعة الخام من غير تشذيب، أضلاع غير متساوية وسطوح خشنة غير مستوية فعلت فيها عوامل الطبيعة فعلها، حجارة غشيمة لم تألف الصقل ولا يزكيها غير صلابتها وقيمتها البنائية، خرج بعضها يمينا أو شمالا عن خيط الشاقول. انفلات لا يزعزع الأساس بقدر ما يهدد قناعة العين وعادتها على المقارنة. لم تشأ فأس البناء أن تكسر كبرياء الحجر فتركت نتوءاته تكسر استقامة الحائط.

كان المعماري حراً إزاء موضوعه، لم تغلبه غير حكمة الله في أن يجعل كل شيء ممكنا عبر الإيمان… أطروحة صوفية حاول أن يحققها في تصعيد النزعة الطبيعية للخامة ودفعها إلى تخوم الطعم الفج لفاكهة الحكمة، الطعم المر لمخالفة العقل وتحكيم القلب. واضح انه ورث قيم الفضاء الحر المنفلت عن القياس، فهو لم يتعود على المسافات القريبة التي تدرب عليها ابناء المدن. لم يدرك ما معنى المداخل والمخارج ووظائفهما، فما زالت الفيافي والمروج والشجر تغذي روحه بجمال قيمها البصرية. ليس الباب في تقديره بمثابة حجاب إنما بعض من الداخل وبعض من الخارج، مفصل بين شطري حقيقة واحدة ووجهان لها. فما وراء الباب مكشوف وما هو أمامه يخلفه وراءه. فوق كل باب من الخارج قبة لا تشبه أخرى تمثل فصوصها ومقرنصاتها وبدائيتها الهندسية مقدمة صريحة وواضحة لروح العمل المعماري كله.

قد نخفق في العثور على وثيقة تثبت أصل المعماري، لكننا بسهولة نعثر على صليب بيزنطي الطراز منحوت على تاج العمود الثالث من نهاية الممر المحاذي للمئذنة، صليب منحوت برشاقة على تاج رخام ابيض تعرض قليلا للحك لكنه أكثر وضوحا من غيره من التيجان التي تعرضت للتعرية بفعل عوامل بيئية وبشرية. وبيسر أيضا يمكننا قراءة أسماء لاتينية على صخرتين في أسفل جدار المئذنة إحداهما مقلوبة على عقب تفضح منشأها.

33

أسهمت الحجارة والأعمدة متباينة المنشأ المستعملة مرارا في مضاعفة حجة العمارة على تأكيد نظامها الخاص. فعبر ما يقارب سبعة قرون من الترميم وإعادة البناء واستخدام البواقي من المواد تم الحصول على مبنى فريد لا يشبه اي مبنى آخر. كيف نفسر وجود كتلة صخرية على الضلع الخارجي للدعامة الثانية ما قبل الأخيرة من جهة بيت الصلاة؟ حجر بيزنطي منحوت يزن أكثر من طن بدا كأنه سيسقط أرضا نبت على الجدار، لا تدري مغزاه، ولا وظيفته الانشائية، فلا تراه الا نزوة، نزوة متطامنة مع استخدام ما تحت يديه من مواد كلها وايجاد مواقع لها في نظامه الخاص.

أتساءل ما حاجته إليها في الأعلى، أقصد المعماري، بينما كان جديرا به أن يضعها في أساس الدعامات الضخمة، فهي تقع في المتر الأخير من اعلى البناء حيث تقترب السماء لتركن لونها الباهر في الزاوية القائمة من السور، مشهد يحيلك إلى عالم بعيد عن المسجد. فهذه الصخرة البيزنطية لها مهمة وغرض آخر. للمعماري ميل عجيب للغرائب، فهو يتربص بطمأنينة العين ويغرس أسرار مخيلته في توقع ما هو خارج السياق، السياق الذي انهار نظامه السائد على يدي البنّاء وانبثاق نظام جديد من الخارج. انهيار وانبثاق جديدين تمكنا من تحرير طاقة هائلة للخيال.. طاقة ذات طيف واسع حررها اختلاط منطق العقل ومنطق العين. زرع المعماري بؤر الطاقة في أغلب منعطفات البصر، في زوايا ومواضع ثانوية، وفي مواضع جدية  أخرى لا تقبل المزاح.

لا تخلو زاوية من زوايا المسجد عن اجابة معلقة في المكان، واسوق مثلا ” باب الرجاء ” في اقصى الجانب الغربي من السور.

نرفع رؤوسنا الى القبة التي ما أن توشك قاعدتها على اكتمال محيطها تخرج ثلاثة أو اربعة آجرات عن محيط الدائرة. خطأ في تقدير الدائرة تركه البنّاء على حاله وصعد فوقها الى الصف التالي وعند مكان الزلل أو الخطأ، وانا هنا أخطأ في التقدير عمدا، يخرج مرة اخرى عن دائرة المحيط بثلاث آجرات غير آبه بشروط العمارة. كلنا قد شاهد في حياته بنّاءً يرصف الحجارة، يسوي وجهها ويطرق من يخرج عن خيط القياس.. أمر تأمر به العين قبل أن يأمر به العقل، فما بالك عندما يكون الأمر ببناء قاعدة قبة! لا يكف البنّاء عن ممارسة نواياه المريبة، ففي الصف التالي/الثالث وعند مكان المشكلة ذاتها، يعيد الخروج عن المحيط مرة ثالثة …. عجبا !!

أذا كنت اقنعت نفسي وقد اكون قد اقنعتكم بعملية الترقيع التي فرضتها طبيعة المواد، ولكني اتنصل عن هذا الرأي تحت هذه القبة وادعي الشك… فيقينا أنه كان ذو نية تتمرد على المألوف وتراهن على سجيه الحجر وانحرافه.

المعماري أميٌ انتصر للطبيعة التي فطر عليها فاستشار قلبه أولا. إن الروحانية تبدأ من الكفاية، وتمجيد الحياة. لنفهم هذا: “نحن امة لا نحسب ولا نكتب ” كما يقول النبي محمد (ص). المقصود ابقاء الفطرة على سجيتها وحكمتها البسيطة.  ذلكم هو نظام يمكن اختباره في اعتدال الأعمدة ورسوخ البناء إلى اليوم. المعماري يدرك مبدأ الضرورة، هذا الاجبار من دون عنت، أن يضع العمود الصلب إلى جوار العمود الهش والمرمر إلى جانب الحجر، لا يجمع كل ما هو صلب في جهة من البناء وكل ما هو هش في جهة أخرى، ففي هذا لا يقوم السقف ولا يقوم المسجد. عبر الخلطة الضرورية تحققت الغرائب البصرية التي احكي عنها هاهنا.

التمايز في المواد والاشكال، اللعب بينها، المتماثل وغير المتماثل، حققت توازناتها عبر جوهر الاختلاف والتمايز. عقل المعماري هنا قام بمشغلة في القياس: القصير يقابله الطويل، الأسود يقابله الأبيض، الهش يقابله الصلد. إن تجسيد اللاتماثل هي فكرة المعماري الاولى.. ومخاطرته.

لان المعماري اعتمد على مواد سبق ان استخدمت في ابنية سابقة: اعمدة ناقصة، تيجان كاملة او محطمة، أعمدة بيضاء واخرى سوداء، فقد استسلم لمدى واسع من التشظي الذي يقابله تلفيق بهيج، تلفيق يحتفظ بالضرورة ويظهرها دون خشية. التلفيق يظهر بوضوح، لأنه لا سبيل الى تفاديه، والمهم أن يظهر حاذقاً، متينا، محافظا على لونه البصري الفريد، وشاغلا احياز لا نخطئ وظيفتها. عمود قصير يحتاج الى ربع عمود، احيانا الى دكة تجمعه بعمود آخر، فالمهم ان ينهض البناء. ليس الترقيع سيئا ما دام يقوم بوظيفته ولاسيما إذا كان حاذقا. نصف عمود ابيض مع نصف عمود اسود يشكلان عمودا يحمل سقفا. إن الحيز العام هو الذي يمنح القيمة الجمالية لكل الترقيعات التي نراها في سذاجتها وفي حذاقتها.

ازاء هذا الترقيع الحاذق كنت أفكر، بل كنت اتخيل، الورشة التي اقيمت هنا في هذا المكان، ورشة انا متأكد من ضخامتها بسبب من ضخامة البناء. بيد أن ما كان اولياً، وضروريا على نحو فائق العادة هو اعمال التصنيف الهائلة التي بوشر بها قبل اعمال البناء. جمع المتماثل من قطع البناء، التيجان، رؤوس الاعمدة، الألوان، الدكات . إن اعمال التصنيف تكشف ليس الغنى والوفرة في المواد بل النواقص. إن حساب كل هذا يحتاج الى نظر حاذق يحيط بكل الممتلكات الفقيرة والغنية، ويستدعي خيالا قادرا على رد المواد الى السلسلة التي تنتمي اليها، والتوزيع، ومعالجة النواقص العاجلة وتسجيل غير العاجلة. تمت مساءلة طبيعة المواد بطريقتين اثنتين: الأولى من خلال الفكرة عنها إذ من الممكن منطقيا وبالضرورة إضافة قطعة أخرى من الحجر لاستكمال طول العمود القصير أو استكمال ضلع ناقص أو دائرة قبة غير منتظمة … المهم استقرار البناء ومتانته. ولكن هل هذا يكفي لاستكمال النظر كونهما أصبحا بطول واحد بعد الإضافة.. اعني هل الإضافة تلغي فكرة إنهما اقصر من بعضهما البعض أو أطول من بعضهما البعض؟ ألم يكن من الممكن والمتاح اختيار عمودين بطول واحد وإقامتهما بجانب بعض؟ … أو أن قبة تبدأ من قاعدة منتظمة لترتفع بانتظام دون شطط؟ لم إذن هذا السهو إن كان سهوا أو هذا الخلط والتجريب ما يعرف مسبقا استحالته إلا بإضافة أو نقصان؟؟؟ المساءلة الثانية جاءت عبر فكرة الشك الذي يلغيه اليقين إذ يبدأ باختلاف ويلغيه باختلاف آخر والناقص يتمم الكامل؟  ولكن أين منهما يحمل فكرة الناقص؛ الطويل أم القصير ما داما غير متماثلين؟؟ حيرة يبددها الواقع القائم منذ قرون . فكرة الممكن تحسم الأمر وتسوغه في منتهى الكمال عندما يستقر السقف ويعتدل الجدار، اختلال بصري لا يمكن تفاديه إلا في مفهوم الممكن واليقين الذي يستهلك المادة يبقي على تخمين العين. بديهية لا يمكننا تجاهلها أن يُجعل القصير بطول الطويل بإضافة ما يلزمه لذلك ولكن واقعية البديهة هذه لا تنزع من البصر الإحساس باللاتماثل … انه انتزاع براني لا يلغي جوهر الحقيقة.

كانت مهمة البنّاء تحقيق ذلك عمليا والبرهنة عليه معماريا وتثبيت حقيقته الواقعية بصيغتها المعنوية. فقد كان واثقا من كتلة الحجر وتوازنها أكثر من ثقته بأهمية مقاساتها الهندسية التي لا تكف عن كشف اختلافاتها بغياب تناسقها.. فهي في سياق صيرورة الثبات على الأرض منذ قرون، أنها تومئ عبر خصائصها الناقصة بما هو مكتمل وتستعير من حقيقة الثبات فكرة هاربة متخفية في صلب الأعمدة غير المتماثلة. تكشف عن هوى ثابت في مخالفة وإهمال مسطرة القياس وفكرة عصية عن التحقق إلا عبر تناقضاتها الواقعية وخصائصها التاريخية. إنها تكتنز مفهوم النقض الظاهر في شكلها وقد تحولت من فرضية إلى برهان مادي على المشاهد أن يكتشف دلالات نظامها.

لقد طوّع البنّاء الشعبي أشياء البناء وتعامل مع صفاتها وأهمل مواصفاتها ونجا بنفسه من حكم واقعها فاستوت على الأرض في ائتلاف أضدادها.

وائم المعماري بين الأضداد في معيار البناء لكنه أبقاها حية في معيار الفكرة التي ما فتئت تخترع رؤاها بعيدا عن الأرض التي استقرت فوقها، فأصبح النظر الى الاستطالة نظراً للقِصر وللرهافة نظراً للبدانة والنظر لصلابة المرمر نظراً لهشاشة الحجر البحري. في استواء الأضداد هدم المعماري فجاجة الواقع ليضيء الخيال.

أكاد أقترب من أفكار ” بن الحسن النّفَّري ” في استواء الأضداد. ” أليس في النقيض حلول للمنقوض واثبات له “… يا ترى هل اقترب منها المعماري أو حايثها واشتغل في هدى معاييرها الجمالية؟ قرنان من السنين تفصل بينهما فالأول كان في عهد الأغالبة في القرن التاسع الميلادي بينما توفي ” النّفَّري ” في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي. بهذا الموقف خذل البنّاء واقع الحجر وانتصر لمعناه.

قرابة خمسة وخمسين مجموعة مختلفة النحت والزخرفة والتخريم لتيجان الأعمدة في الأروقة المحيطة بصحن المسجد من المرمر الأبيض والأبيض المشوب بالخضرة والحجر الجيري الأبيض والأبيض المائل للصفرة من مناطق مختلفة، من آثار رومانية وكنائس بيزنطية.. لم اعثر على تاجين متجاورين متشابهين عدا أعمدة باب البهو التي بنيت فيما بعد، في القرن الحادي عشر. ماذا دار في خلد المعماري وهو ينأى بعيدا عن التكرار؟ ألم يكن ابن صحراء تتكرر مشاهدها كل يوم منذ الولادة حتى الممات، أو ابن مدينة لا يختلف فيها بيت عن جاره ولا نهج عن نهج بما يفضي إليه؟ كان يدرك أن اللاتماثل واستواء الأضداد إنما هو طريق يفضي الى جمال هارب من ألفة السياق يكمن في أخاديد الحجر واختلال القياس وغربة التاريخ… جمال يجمع تاجا من مرمر مزينا بصليب وعمودا مزينا بطرة مربعة منقوش عليها (لا قوة إلا بالله وعليه توكلنا) كان واثقا أنهما يرفعان سقف بيت الله بنفس الكفاءة. انه برهان على حقيقة كانت تعنيه بقدر أكبر مما تعنينا الآن.

أنزع نفسي عنوة من صحن المسجد إلى سوره من الخارج لأقف أمام اغرب معادلة معمارية احتواها المسجد تفوق في حساباتها كل توقعاتي، انها منظومة فتحات للتهوية تم توزيعها بحرية ضمن افتراضات من خارج طبيعة الآجر ومقاساته ومن خارج موازين البناء المعتادة. على نحو خاص، لا يمكنني رسمها بالكلمات وعليه سأترك امرها للمشاهد وحده.

وأتذكر هنا ” بول كلي ” لأكثر من سبب، لا بد انه تأملها بعمق كعادته، فمفردات أعماله بعد إقامته في القيروان تشي بهذا السبك الغنائي الذي يطل علينا من هذه الكوى… إنها فشل في معيار العين ووضوح ثابت في رؤيا القلب.

نبذة عن تاريخ المسجد ومواصفاته

يقع في الطرف الشمالي لمدينة القيروان. رافق إنشاء المسجد تأسيس مدينة القيروان عندما عيّن عقبة بن نافع والياً على المغربالعربي في عهد معاوية بن أبي سفيان سنة 670 م وسمي المسجد نسبة إلى المدينة.

أعيد بناء المسجد على يد عتبة بن غزوان في عهد يزيد بن معاوية بعد أن خرب وأهمل في زمن أبي المحاجر.

سنة 704م هدم حسان بن النعمان (عامل هشام بن عبد الملك على المغرب) المسجد  حينما ضاق بالمصلّين وأقام بدلاً عنه مسجداً محكم البناء وحمل إليه ساريتين من كنيسة كانت في الموضع المعروف اليوم بالفيسارية.

سنة 725م  قام بشر بن صفوان بأمر من الخليفة هشام بن عبد الملك بتوسيع المسجد وبنى حديقة كبيرة في شماله كما أنشأ صهريجاً في صحن المسجد يُعرف بـ (الماجل القديـم) وشيّد مآذنه فوق بئر موجودة في الحديقة.

سنة 777م أعيد بناء المسجد بعد أن هدم سنة 775م في زمن يزيد بن حاتـم حاكم أفريقية.

سنة 836 م أعاد الحاكم الأغلبي الثالث زيادة اللّه بناء المسجد بعد أن هدم بسبب حرب أهلية نشبت في المدينة في نفس السنة المذكورة.

سنة 881 م قام أبو إبراهيم الأغلبي بأعمال زخرفة المحراب وعمل منبراً جميلاً للمسجد وشيّد قبته ووضع بلاطات القاشاني حول المحراب

سنة 985م وفي عهد الفاطميين أمر الخليفة المعز ببعض الإصلاحات في المسجد.

سنة 1001م أضاف إبراهيم الأغلبي الثاني بعض الزيادات المهمة للجامع منها إنشاء قبة تُعرف بـ (قبة باب البهو) وأصبح للمسجد في عهده عشرة أبواب وأقام مقصورة النساء عند رواق القبلة.

سنة 1259م  قام المستنصر باللّه أبو حفص بعدّة إصلاحات للمسجد، وتشير لذلك الكتابات التاريخية المثبتة فوق باب المسجد المسمى باب (اللّه رجانا) كما بنى مقصورة نفيسة تحمل اسمه لا تزال موجودة إلى اليوم.

سنة 1864م  قام محمَّد بك مراد بإصلاح القبة عند مدخل الرواق.

يشغل المسجد مساحة مستطيلة غير منتظمة الاستطالة، وتسند جدرانه الخارجية مساند مختلفة الحجم والشكل وتعلو سقفه من الخارج خمس قباب، وللمسجد 11باباً للدخول، يعلو الباب الشرقية قبة ويُعرف باسم (اللّه رجانا) وتُشاهد كذلك ثلاثة أبواب أخرى في نفس الجانب ويعلو الباب المسمى بـ (باب السلطان) قبة أخرى.

يتقدّم الأبواب التي في الجهة الشمالية بهو، ويتكوّن رواق المسجد من 17 طارمة تفصلها بائكات (البائكة عمود في قمته تاج وقوس)، وللمسجد محراب على شكل تجويف داخل الجدار يشبه حدوة الفرس ويكتنفه عمودان تيجانهما على الطراز البيزنطي، في طاقية المحراب زخارف ملونة باللون الأخضر ومنبر المسجد خشبي نفيس، وقبة المسجد مضلعة الشكل يبلغ قطرها 80/5م والمنارة مكوّنة من ثلاث طبقات مربعة الشكل تعلوها قبة صغيرة.

_______________

المراجع

1-أبو عبيد البكري – المسالك والممالك.

2-أبو عبيد البكري – وصف إفريقيا الشمالية.

3- احمد الطويلي – تاريخ القيروان.

4- أحمد فكري – المسجد الجامع بالقيروان.

5- حسن حسني عبد الوهاب – ورقات.

6- حسن حسني عبد الوهاب – بساط العقيق.

7-  حسن حسني عبد الوهاب – خلاصة تاريخ تونس.

8- أبو القاسم التنوخي – معالم الأيمان في معرفة أهل القيروان.

9- الحبيب الجنحاني – القيروان عبر عصور ازدهار الحضارة الإسلامية في المغرب العربي.

10- منجي الكعبي – القيروان.

11- يوسف فرحات – المساجد التاريخية الكبرى.

12- الحسن الوزان الفاسي – وصف أفريقيا.

13- نور الدين الحرازي – تيجان جامع عقبة بالقيروان.

14-  ابن الأثير – الكامل في التاريخ.

* كاتب وتشكيلي من العراق