فسفوري*

111

إلى” سعيد الصالح*”

نزولا عند رغبته في توثيق دمعتي ،  أهدي هذه القصة.

غالبا ما كانت أمي تقتصد في ضوء الفانوس الذي كانت تعلقه وسط الخيمة البيضاء. غرفتنا الوحيدة التي نسكنها ونحلم فيها ونطير! يتدلى ضوؤها فيرسمنا تارة منبطحين على بطوننا المتضورة جوعاً ، وتارة ونحن نكتب واجبات المعلمة فريدة. صاحبة النظارات السميكة.

هذا التوفير الذي تتحجج به أمي دائماً ، ألبسني لون السواد ووحشة الظلمة. كل شيء حولي كان أسودًا. لون المخيم, لون “الدَّشاديش” التي يرتديها الرجال بكل تصانيفهم ووظائفهم ، لون القدور ، شرائط الصبيات وهي تطير وهن عائدات من المدرسة ، أحذيتهن ، حقائبهن ، لوح المعلم أبو الكرش الكبير, حتى القمر لم يكن مضيئا بما فيه الكفاية, لقد سرقوه ورموه في بحر يافا الكبير..أضع يدي على خدي لماذا لم يحتج البحر مثلاً..؟!!

يجيبني صوت أمي وهي تنادي علي: محمود يمه تعال تعشا.. أبو علاء بعثوا لنا مسبَّحة وفلافل..

أنا مشغول بصيد أفكاري وعَلكها, أريدها أن تتخمر وتطيش. لكنها تقطع عليَّ عزلتي بتكرار ندائها. أجيبها والجوع يخرج أصواته من معدتي الصغيرة ، أجرُّ دشداشتي الواسعة ، تلك التي ورثتها من أخي الذي يكبرني بأربع سنوات. يعلق بها طين متلبد من أمطار استمرت لأسبوع ، فتعاتبني غاضبة:

-كم مرة حكيت لك تربط الحزام على خصرك يا ولد؟

- شو بعمل! طويل كتير ومفش فتحات.

كنت أريد أن أجيبها بأنها جمعته من مزبلة المخيم. لكنني أتحاشى النظر في عينيها مباشرة. كيف أقوى على جواب مثل هذا! لا تسألني عن نعالي التي قمت بشدها بخيط جلدي أسود. ومن الأفضل أن أتباهي بها أمام لسعة الشمس الحارقة فقط ، هي تباريني، وأنا أصفعها لأنها أيضا لم تحتج على تهجيرنا من يافا!!

يوم بعد يوم تزيد كآبتي وسوادي العظيم. ويكبر معه المخيم, بيتنا- خيمتنا- صار له عنوان. شارع ورقم مقسَّم. بيتنا اليوم صار أشبه بوزارة الإسكان والأشغال العامة. والدي يدير الجلسات والاجتماعات بشكل شبه يومي. هو صوت المخيم ، ووسيط المشتكين للمنظمات الإغاثية. أسأل نفسي:

أهم جادون في سماع شكوانا؟ أم أنهم يشتكون مثلنا؟ هل هناك من يسرق المساعدات الدولية التي ترصدها مؤتمرات الأمم؟

أضرب حجرا بيدي هروبا باحثا عن جواب. جوابا يشبه دمعة أمي اللامعة حين أحرقها زيت الفانوس. يومها دلقته فعاتبها أبي غاضباً على فعلتها. جففت بقع الزيت ونامت ليلتها وهي تخفي صوتها خلف حاجز القماش الذي يفصلهما عني. صوتها الذي لم أكن أميزه إن كان ضحكًا أم بكاء!

خارج الخيمة كنت أخرج أنفاسي بصعوبة. لا يعجبني أن أنام مبكراً كما ينام المخيم. فالأيام سيان بالنسبة لي. والروتين القاتل يؤرقني. كنت أبحث عن ضوء لافت مثلاً. أستطيع من خلاله إبصار ذاتي.

أحلم مثلا بأن يغزونا كوكب طائر فيشع مخيمنا أو ترمي علينا السماء بشهاب يسقط قريبا من دون أن ينفجر. يكتفي بشعاعه وبنوره الذي سيمحو الظلمة والكآبة. لابد وأن مخيمنا سيكون مركزا للمدينة والقرى المجاورة. سيعج بالأسواق والمتبضِّعين. سيكون مركزا للاحتفالات ومحطات الإذاعة والتلفاز. أحلم وأمشي رافعاً بصري للسماء فأرتطم بحجر أبيض. رفعته إلى بصري دققت فيه. ظننته هبط من السماء. ظننت أن الله استجاب لدعائي. لكنه لم يكن سوى حجر عابر. رميته فارتطم بحجر آخر أخرج شعاعا أزرق اللون. لم أتحرك. تسمرت والدهشة تأخذني لأبعد مكان.

أخيراً وجدت شيئاً أتسلى به يحثني على الاستمرار في الحياة والخروج من فانوس متقشف. فأمي تخشى نفاذ الكاز. أما شموع أبي فيحتفظ بها للكتابة وأموره الخاصة.

بدأت فعلاً في الهروب إلى النور. فمن خلال الحجرين اللذين أفرقعهما بيدي استطعت أن أرى كل شيء. آه.. كم هو جميل الليل بسواده وهدوءه. أبتعد عن المخيم فيبدو واضحًا أكثر. يتسلل إلي صوت الأمهات وهن يُدلِّهن أطفالهن قبل المنام. صوت رامي وهو يضرب على طبلته. صوت تصفيق غير منتظم. صوت الأزواج وهم يلغون فيما بينهم. أو يحترقون.. أكتشف بأني ابتعدت قليلاً عن المخيم.

وجه فتاة سمراء يفاجئني. جعلني أرتبك فسقطت مني الشعلة. سألتني إن أصابني مكروه. فأجيبها في نفسي: وأي مكروه وأنا في حضرتك إيتها الملكة؟ لا أتردد فأمسك بيدها مزهوا برجولتي المبكرة. أدلها على خيمتها التي تاهت عنها. مبصر في ضوء خافت لون عينيها الخضراوين وبريق ابتسامتها الواعدة. أشعر وكأنني ولدت من جديد. معها مشيت ممسكا بيدها الطرية. لم نتحدث سوى عن يافا.

يافا فقط!!

ولما ودَّعتني سألتها عن اسمها. فقالت: ضحى عياش. خيمة 144

في اليوم التالي كنت مستعدا للقائها. تظاهرت بالمرض. صحوت متأخراً ولم أذهب إلى المدرسة. هي لم تذهب أيضا للمدرسة. لقد حملونا في شاحنات سوداء إلى مخيم آخر ولكنهم فرقونا. مخيم أرقى! يتكون من بيوت ضيقة ومتعَبة للغاية. لكنها مزودة بالماء ومضاءة بالكهرباء. لعنت الكهرباء يومها لأنها لن تضيء لي وجهها الجميل.

كبرت تحت ضوء القمر الذي كان يلهمني الكتابة إليها وإلى يافا. مضيت في الحياة أسلك شتى دروبها. حتى لبست المعطف الأبيض.

في ليلة هي من أشد الليالي قصفا. كنت مناوباً في مستشفى الشفاء بغزة. لم تكن أياما عادية كانت أشبه بأيام الله!

غفوات قليلة كانت هي نصيبنا من عناء اليوم المتواصل. لكننا سريعا ما نعاود إلى العمل المتواصل. جثث وقتلى وعويل. أما إسرائيل فكانت تقصف أمام إفلاس الحيل! الأطفال هم من كانوا يموتون سريعا. بلا بنج كافٍ يُجرحون. البعض منهم يأخذه الموت من أصابع الطبيب. والبعض يرسم لك خطوطاً حمراء تجبرك على الوقوف. العمليات تتوقف عاما من الصمت لا دقيقة أمام قداسة الأرواح التي تنساب بين يديها كانسياب الماء من القارورة. الأمهات.! أين نفر من بكائهن؟ والعالم يتفرج يندد و يزن بمكيالين.

في فسحة خارج الزمن هبطت علي كملاك منقذ. خرجتُ من بين ثلاثة شهداء مددوا ثم حملوا إلى ثلاجة المشفى. تركت لذويهما فرصة اللقاء الأخير. لعلهم يناجونهم ويسامحونهم أكثر. ما أقسى الحياة! يشمون شهدائهم. يمسحون عليهم ويقولون عتابات غريبة لا أفهم بعضها. وبين نفسٍ ونفس. قُطع التيار الكهربائي للمرة الثالثة على التوالي في يوم واحد. استمرت لساعات فثارت ضجة كبيرة في المشفى وخارجه. السماء وحدها من ساندتن. لقد فغرت فاهها و أضاءتنا بقنابل ذكية. لم أقف بليدا حين سمعت اسمي ينادى عليه من المكبر اليدوي. أسرعت. قتلى جدد وجراحات عصيبة. بدون كهرباء. لا أعرف كيف أتممنا العمليات! ثمة معجزة لم يأت بها نبي أو ولي صالح. بل أتى بها إله يدَّعي ملكيته للعالم الجديد. الضوء عاد لغرفة العمليات بفضل أسلحتهم الفسفورية. جماجم مأكولة. جلود منسلخة. مخوخ مرضوضة. صدور مشرعة. لحوم مشويه. ملامح مشوهة. والعظام حجر كؤود بلون الفسفور. غصت في نسيج جثة وقعت بين يدي. قلَّبتها.. تكاد يدي تحترق. بؤبؤ عينيها يتسع تشقها نار ملهبة. حديد بصرها يمتد إلي وكأنه يعاتبني. لا أدري هل تأخرت عنها؟ ألمح في أصابعها المبتورة ذوبان أرقام هاتفها المحمول. لابد وأنها كانت تستنجد بأحد ما. شعرها محترق. بلا لون كانت. كبقع المخيم القديم. رائحة البارود تشع من ملابسها. لم تتفوه بكلمة فقد أسلمت روحها قبيل ساعات. كيف وهي بلا لسان وقد قطع نصفه. متفسخ لحمها. لامع ومشع. كل شيء فيها مشع.. لم يكن مختلفا عن باقي الجثث السبعة التي أحضروها من شارع السياحة. بيد أنها أمسكت بمعصمي وكأنها تريد القول:

دلني على قبري لتصلي عليه!

معصمي الذي أمسكتْ به قبل خمس وأربعين سنة وأنا أبحث عن خيمتها التي ضيعتْها ذات منفى. هو نفسه الذي غطى ضريحها بالورد. مثلما غطى وجهي بالدموع.

…………

*هذه القصة مستوحاة من خبر ورد في العربية نت: طبيب مصري يقول:  شاهدت جروحاً تشع نوراً في حرب غزة! 2006م.

*طلب مني هذا الشاب العربي بأن أكتب قصة تحاكي الخبر المنشور وقد أوفيت له طلبه.

*شاعرة وقاصة من السعودية