كدمات بغداد

علي حبش

جوربُها معلقٌ على حبل الغسيل

ومن جديد

أشتهي لحمها

وفرشة أسنانها

وزجاجة العطر الفارغة قرب النافذة

من جديد

أتهجّى حياتي على سلم المنزل

وأهبط صوب المدينة

أشعل أحلامي  بسيجارة الصباح

والدمعُ

يلتصقُ فوق رأسي كالغيم

هذا يومي

يتسابقُ مع النمل إلى السوق

معلقٌ بجيب القميص

وبين أصوات بائعي الخضراوات

وبنطلونات الجينز

أصطدمُ بورك امرأة فينيقية ولا تلتفتُ إلي

فأتلمسُ كدمات بغداد

على صدري

بغداد

أتذكرها

وهي تُحصي قتلاها بنشرة الأخبار

وهي تنكسر كالرمح

بحنجرة المذيع

********

البحر يحمل المدينة على كتفه

وأنا

أنظف أسناني بعود الثقاب على يمينه

وأحصي ذكرياتي بالحروب

كم أغنية تسلقتْ غرقاه

كم قصيدة انتحرتْ بجواره

كم حلمتُ به قبل السفر

صار عكازا للقلب

والانتظار

******

كيف أنظف لغتي من الجنود

من أسلاكهم الشائكة

زنوجٌ

وأسبانٌ

ولاتين

لا مقابر لديهم

ولا أسف

*****

بغداد

تبتعد عن أصابعي كلَّ يوم

وعلى صدري

تنبضُ كدماتها

في الحلم زرتُها مرةً

فصافحتني أسلاكها الكهربائية

والدروع والمروحيات

وأيقظتني عبوةٌ ناسفة

*******

شرق المتوسط

تبتعد الأنهار

وتختفي في الكتب المدرسية

دجلة

لا يقتحمُ الباصات

ولا  فرات تحت الجسور

لا ذراع للحبِّ في السرير

ودموع الأمهات

تملأ هاتفي النقّال

يقولون لي :

ألا تعود صوب عاصمة الرشيد

فأحدثهم عن صديقي الشاعر القتيل

عن الجرحى

وهم يتثاءبون تحت وسادتي

وأعود للمنزل كقبر،

في الطابق الرابع

تتلاشى العائلة

خلف شاشة التلفاز

تتحول البلاد إلى جثث مجهولة

إلى أرقام وكيلومترات

ثم تنفطر شاشة القلب

بأغنية

أضحكُ قليلاً

وأسحلُ رأسي إلى المطبخ

لم يبق في الزجاجة سوى الدموع،

ومن جديد

أكتب حياتي

قربَ أحذية الأطفال

قربَ صحونٍ تتجاور

قربَ مكياج الزوجة

قربَ لغمٍ

اسمهُ محفظة الأب

ثمَّ أتعثرُ بالبطاطا

وهي تملأ ذاكرتي منذ سنين

أختصرُ حياتي بسيجارةٍ أخرى

فأسمعُ انفجار دمعة

في غرفة النوم

جوربها

مازالَ على حبلِ الغسيل

وعلى شفتيها احترقتْ حياتي

ونامتْ

على منديلٍ

قربَ السرير.

* شاعر من العراق