مهرجان الخرطوم للعود في دورته الثانية

السودان-1-660x330

رصد : الممر 

انتهت يوم السبت الماضي 25 فبراير فعاليات مهرجان الخرطوم للعود في دورته الثانية، والتي ينظّمه منتدى دال الثقافي بمجموعة دال، وأقيم لمدة ثلاثة أيامٍ بمسرح مركز التميز شارع الصناعات بمدينة بحري، حيث أمّه جمهورٌ غفيرٌ وشارك فيه العديد من الموسيقيين من جميع أنحاء العالم، وفي مقدّمته العوّاد العراقي الأشهر في العالم نصير شمّة، والذي اختتمت الفعاليات به وبفرقته العالمية. (الممر) رصد ردود الأفعال إسفيرياً، وخرج بإفادات ننشرها في المساحة التالية من المخرج والسينمائي طلال عفيفي، مدير مؤسسة (سودان فيلم فاكتوري)، والصحفي والناقد حسام الدين حيدر.

إفادة طلال عفيفي:

الحفل الختامي لمهرجان الخرطوم للعود كان مبهراً على كل المستويات، التنظيم والمحتوى الفني وتفاعل قرابة الـ 2200 شخص من الحضور.

أول زيارة للأستاذ نصير إلى الخرطوم كان في 2005 لإحياء سلسلة أماسي بدعوة من مركز الدراسات السودانية، ثم عاد وقدم لجمهوره في السودان موسيقاه في فبراير 2014 بدعوة من منتدى دال الثقافي في مهرجان الخرطوم للعود الأول، قبلها كان في زيارة قدم فيها عزف على العود بدعوة من منتدى دال نفسه.

هذه هي زيارته الرابعة، قدم الفنان العراقي نصير شمة، عازف العود القدير، تجربة موسيقية جديدة كلياً، حتى وإن إحتوت على بعض أعماله القديمة.

“عالم بلا خوف” هي المقطوعة الاولى التي أفتتح بها نصير شمة الحفل، مقطوعة من تأليفه مكونة من ثلاث لوحات، صاحب فيها بعوده مجموعة من الآلات الموسيقية، في رحلة فنانة لعب فيها الـ Bass guitar دور كبير إلى جانب مصاحبة لصيقة وحماية من الكمان الذي جابت العازفة Karen Briggs كثافته، وكارين دي حكاية لوحدها:

كارين أمريكية إتولدت في 1963 إشتغلت على الكمان من نعومة أظافرها زي ما بيقولوا، وقدمت في الحفل ده إفادات ومداخلات موسيقية قوية وغاية في البراعة تشعر فيها بثقافتها العالية وتمكنها من الموسيقى الكلاسيكية والمعاصرة والـ “جاز” بطبيعة الحال.. وهي إتعرفت بشكل واسع وجماهيري في شغلها على مسرح الأكروبول مع الموسيقار Yanni.

كارين قدمت موتيفات ساحرة داخل المقطوعة “عالم بلا خوف” مسنودة على أصابع شديدة الحذق وروح عالية تفهم أسرار الكمان وتجعله ينطق بمشاعر عجيبة.

في المقطوعة التانية، “أوليمبيا”، ظهر دور لاعبي الإيقاع، قاموا بعمل أرضية صلبة للنص الموسيقي، تحرك فوقها العود والجيتار والبيانو والكمان بإرتياح وتبادل خلاق.

الإيقاع في “أولمبيا” إيقاع لاهث تناوب مع الكمان في الإرتفاع بالمقطوعة إلى الذروة..

المقطوعة التالته كان إسمها “رحلة الأرواح”، إرتكز مقامها على درجة الراست، رمى نصير فيها بصوت العود كهلب ثقيل في بحر السماع، مقدمة سولو إنضمت إلى ركابها الإيقاعات والباركشن في مزج ساحر وخلاب.

“فوق غيمة” كانت سفر. فتح حقيقي.. الكمان إشتغل على أصداء بعيدة لموسيقى سيمفونية شهرزاد، مسنود على إيقاع يهييء المشهد لرقصة فلامنكو.

عازف الإيقاع الرئيسي كان MUNYUNGO JACKSON وهو بجانب إنه إشتهر باللعب مع المغني Stevie Wonder، إلا أنه كمان معروف بإنه مجدد موسيقي عظيم إشتغل على تطوير الإيقاعات المحلية في مناطق مختلفة من أفريقيا والصين وإتسمى كواحد من أميز الباركيشنيست عبر التاريخ، الشي الـ وضح في فرقته “كتاب الغابة/ Jungle Book” والعديد من موسيقى الأفلام التي قام بتأليفها عبر سنوات.

Gorge Patsera عازف مصاحب للإيقاع من البرازيل، شغوف جداً بالإيقاعات الجنوبية، والحادة وأضاف قوة ووضح لمناطق مهمة في المقطوعات الأربع الرئيسية.

من أرمنيا الشقيقة، كان Darrell Lavin، دعم بالبيانو الإنسياب العام وقدم عزف نحتاج نسمعه كتير عشان نتعرف أكتر على الآلة العظيمة دي..

على الـ بيز جيتار، Hoffa Brayen شده الناس، بتدخلاته المجنونة وعلاقته القوية مع الجيتار.. كان بتنطط على المسرح زي طفل مسحور وذكي، إنتبهت الليلة أكتر إنو البيز جيتار آله رهيبة عندها قدرة على تغليف النص الموسيقي وإسناده بفخامة ..

آلة الكمان الليلة أدتني إحساس إنو هي خليط بين العود والناي، فيها حاجه من قدرات العود على الحكي، ومن طاقة الناي على الدفع بك إلى تلك المنطقة الداخلية في الروح.. (ده إذا إتلعب كويس، مش كآلة تنجيد زي ما بيحصل في غالب الوقت).

توليفة ذكية ورقيقة من الآلات والأنساق الموسيقية، كان فيها لمسة متوسطية خفيفة كعبير خلفه أحد العابرين.

اللمسة التوسطية دي بانت أكثر فأكثر وإكتملت ملامحها في المقطوعة الرابعة الـ كان إسمها “فوق غيمة”.

لغاية هنا إحنا بنسمع في “الثيم” الأساسي الـ لاعب عليهو الموسيقار الكبير نصير شمه، أربع مقطوعات، “عالم بلا خوف”، “أولمبيا”، “رحلة الأرواح” و”فوق غيمة”.. أربع أسماء تشي بالرغبة في الإنعتاق، والروح الخفيفة، وعبور الحواجز.. صدقها التأليف الموسيقي العظيم لنصير شمه وعزفه الفنان.

بعد المقطوعات الأربعة التي سمعتها لأول مرة، وتعرفت من خلالها على أسلوب جديد لنصير شمة العازف والمؤلف الموسيقي، سمته التطور الشديد، والترقي، والإنفتاح، رجع بنا سيد الليلة إلى الذاكرة.. فأسمعنا مقطوعة العامرية، وهي مقطوعة رائعة، مستلهمة ما تعرض له ملجأ العامرية للأطفال ببغداد من قصف أبان حرب الخليج الثانية، مذكراً بجرائم الولايات المتحدة العديدة المستمرة وإنتهاكاتها الدامية لحقوق الإنسان وإعتداءات الجيش الأمريكي القاتلة واليومية على الناس في بغداد وكابول وبنغازي.. عبر ذلك التاريخ المخزي الذي لم يكن المعتوه ترامب إلا إبناً من أبناءه في سلسلة لم تنقطع منذ تأسيس تلك الدولة قبل قرون.

تناول نصير مأساة ملجأ العامرية ببغداد، بتنويعات وتقاسيم مختلفة على العود، إمتحن فيها قدرة العود على محاكاة أصوات في الواقع، وأثبت فيها مهارته كعازف بإقتدار.

في هذا الحفل لم يكن هو نصير الذي أعرفه، كان حالة أخرى، متفوقاً على نفسه، ومستوعباً لدروس أكثر حداثة، منفتحاً، وتحول من عازف قدير وأحد أميز لاعبي العود، إلى مؤلف موسيقي رهيب يجيد توزيع الأدوار وإدغامها بشكل شديد البهاء والضراوة معاً، تجربة فيها نضج شديد وتعلن عن مرحلة جديدة في رحلة نصير الموسيقية.

لا أعتقد أن هذه الكتابة المتواضعة تفي بما شهدته في أمسية ختام مهرجان الخرطوم للعود، وأعتذر عن عدم إضافتي للدور الكبير والجهد العظيم الذي قدمه الأخوة فتحي عثمان ومحمد طه القدال وعمر عشاري وفريق منتدى دال الثقافي ومن خلفهم دعم مجموعة شركات دال في تقديم طاقة ملهمة من الإستماع للناس، نرجو أن تتسع وتستمر.. لقد قدموا جميعاً جهداً جباراً وإلتزموا بمعايير عالية في التقديم تليق بالموسيقى وتليق بالناس.

إفادة حسام الدين:

مهرجان الخرطوم للعود وبتنظيمهِ المبسط أوضح أن إمكانية إقامة مهرجاناتٍ مماثلة ليس بالأمر العسير أو غير الممكن لكنه يحتاج للتعامل بشفافيةٍ والعمل باحترافيةٍ وتنسيقٍ عالٍ فقط لا أكثر، ويمثل إحراجاً فعلياً لمؤسسات الدولةِ التي تعمل في مجال الثقافةِ والفنون والتي لها ميزانياتٍ بالتأكيد لا توظف بصورةٍ مثلى.

وبالعودة لمكاسب المهرجان فهو إنشاء بيتٍ للعود بالخرطوم بإشرافٍ من الموسيقار العالميّ “نصير شمة” وهي شراكةٌ أخرى تتماشى مع مفهوم المسؤولية الإجتماعية، غير أن اللافت هو ما أعلنه منسق المهرجان “عمر عشاريّ” في حفل الختام عن اعتزام مجموعة دال تأسيس مكتباتٍ ثقافيةٍ متحركة للقراءة بمناطق دارفور كدعمٍ لمفاهيم السلام والأمن الاجتماعيّ كإسهامٍ منهم في حل النزاعات عبر الثقافة.

مهرجان الخرطوم للعود تجربة يمكن وصفها بالممتازة في الظروف التي يعيشها السودان اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، فقط يتطلب الأمر أن يفكر منظموه في الخروج من العاصمة للأقاليم.

%d مدونون معجبون بهذه: