الثعلبُ

يحيى الشيخ

(1)

بعد معجزته التاريخية، أصبح طبيبي الخاص “ج.ع” حجة من حجج العلم، و أمست عيادته مزاراً للعلماء وطالبي المعرفة، والباحثين عن جوهر الحقيقة وصيغة الانسان، والحالمين من أمثالي.

كانت الحيلة والمكر حكمته في الحياة، يتشدق ويفتخر بها في أحاديثه مع الناس، ويتبجح بها أمام مرضاه: “الحياةُ حيلةٌ كبيرةٌ ونحنُ ثعالبٌ”. يقولها بمناسبة وغير مناسبة، ويسوق أحاديثه مع الناس إلى ما يوفر لهذه الجملة مكاناً متميزاً، وأغلب الأحيان يختتم بها حديثه حتى لو كان عن الطاقة الكهربائية.

السلالمُ العاليةُ الضيقةُ المظلمةُ مثلمة الحواف، وسياجها الخشبيّ المهزوز، المتداعي، التي يصعدها المريض إلى عيادته، كانت إحدى وسائله في اكتشاف المريض، فهو يستقبله وقد أعياه الطريق وأرعبه ظلام المنعطفات واحتمال السقوط، يستقبله وهو يلهث، ينهار أمامه، يترجى انفاسه تهدأ ليقول كلمة، يسبقه ويعفيه عنها، فهو يعرف المريض من وتيرة أنفاسه، وتيه نظراته، ورغوة اللعاب في فمه، وعطشه المزمن. كان يستقبله بجملة لم تتجدّد طيلة السنين، وهو ينحني له: “نعم، أعرف أنك بحاجة لكأس ماء بارد… تفضل!” يقدم له الكأس ويقترب منه حتى يلاصقه، ويغور في عينيه المنهارتين، يبحث في حطام روحه عن بقايا يقين ليسرقه ويبقيه رهينة خاوية. ليس غير الماء يقنع المجنون بحقيقة نفسه ويغريه، فهو يشبهه، يشبه عقله؛ سائلاً، شفافاً، وملتبساً، وعصيا على التفسير. ليس من مريض عقلي لا يفتخر بمرضه الذي يميّزه عن غيره، فيتمسك به ويعتني بتفاصيله، يزخرفه بمنطق يولد في كنف المرض ذاته… اغلبهم يعقل جنونه ويبرره، كما يبرر الماء في فمه، ويتعامل معه كونه فضيلة العقل المثلى… وهذا وصف لي أنا.

عيناه اللوزيتان وهما تغوصان في الاعماق تقول: “نحنُ ثعالبٌ، فتعال نلعبُ”، يخوّصهما ويبتسم. من تلك الابتسامة تبدأ لعبته المحببة الماكرة، التي شغفتُ بها، وغرمت مثله في التحديق في عيون الآخرين، التقط ما أعثر عليه، وإذا عجزت عن ذلك، أقفُ ساعات طويلة أمام المرآة أحدق في عينيّ، كما نصحني، أنقّب في انقاضي وابعثرها. كان يؤنسني الظلام في الغرفة الذي يمتد إلى أغوار نفسي السحيقة، فأتبعه. في كل مرة يفاجئني انبثاق أماكن لم اكتشفها من قبل، أماكن تشبه مسارب نمل تحت الأرض، شُعب مرجانية شائكة ينبعث من حناياها التماعٌ خاطفٌ مثير للضجيج، وكأنه رقائق معدن تتصادم وترّتج في العاصفة. أغرق في عرقي البارد، بعد اليأس من البحث، لا أرى احداً في المرآة.

لم أسمح له أن يستعرضني كحصان للبيع، فبادرت بالكلام:

“أنا أسمع أصواتاً وتهيمن عليّ افكارٌ لم تخطر على بالي من قبل”.

” عجيب! أنت تشبهني… فأنا أسمع أصواتاً أيضاً”.

التفتَ إلى الخلف كمن يكلم أحداً وأضاف:

“دعني أوضح لك يا عزيزي؛ من لا يسمع أصواتاً في رأسه، لابد أنّه يعاني من قصور في العقل، ونقص في الخيال، وضعف في العلاقة مع الوجود… الأصوات الباطنية معيار لذكاء الانسان واختبار شفافية وحساسية روحه… تعرف!”

وقف يتلفتُ، شمّر بذراعيه كمن يبارز شبحاً يطوف حوله، ثم عاد إلى كرسيه واقترب مني تماماً، حتى أمكنني أن أعدّ الشعرات في منخريه الشنفين:

“تعرف!… إنّنا لا نحاور أنفسنا وحسب، إنما الأشياء التي نعتقدُ أنّها صماء تحاورنا أيضاً حالما تطمئن لأرواحنا وعقولنا. إنها حذرة جداً، لأنها أرقى منا، ولا ترغب في الكلام، لهذا فهي صامتة إلى الأبد، أنّها مخلوقات من زمن سحيق انقرضت، وعادت بهيئة أشجار وصخور”.

نهض من مكانه توجّه صوب النافذة نظر منها إلى السماء، فتح باباً جانبياً وخرج منها.

عبر فردتي الستارة المفرجتين، تتسلل حزمة ضوء، تستلقي على أرضية الغرفة المرصوفة بمربعات منتظمة بيضاء وسوداء، رسم عليها الضوء مستطيلاً منحرف الأضلاع ينتهي حتى قوائم الطاولة المكتنزة.. على الركن البعيد من الطاولة مصباح ذي عنق معدني منكوس الرأس، دائرة الضوء تحته تتسع وتضيق، يضمحل الضوء ويكاد يختفي، ثم يعود ينير ببطء… يشهق ويزفر. المصباح العتيق يتنفس بصعوبة، يلفظ انفاسه الأخيرة… ربما يموت. على الحائط عُلقت صور ملونة لأعماق البحار، وصور سلاحف معمرة على السواحل، وقواقع، وحلزونات. كانت صورة قنفذ يشم قوقعة حلزون مختبئ تثير الدهشة والحزن. قرب النافذة صورة جمجمة خضراء تستأثر بالحائط كله. غير أنّ الأكبر والأجمل فيها، كانت خارطة للكرة الأرضية من رسومات أوائل المستكشفين، أو أحد القراصنة الأذكياء جوابي البحار، مع شروحات وأسهم وأرقام، وصورة اسطرلاب على زاوية منها، في محيطاتها وبحارها تتسكع حيتان عملاقة وسفنٌ بعشرات الأشرعة، رشيقة القوام من خشب مصقول لامع، ترفع رايات بلدان مجهولة، وممالك اندثرت في أعماق المحيطات… لطالما أبحرتُ إلى هناك في كتب الجغرافيا، وسكنتُ جزراً نائية، وكانت وحدتي فيها أجمل ما أحظى به؛ فأنسى عذاباتي.

كنتُ بحاجة للماء. لم اعثر على الكأس التي سقاني منها، وتحرّجت في طلبه، فبللتُ شفتي بلساني وبلعت ريقاً يابساً. دخل عليَّ مسرعاً وكأنه ساحر يخرج حمامة من اكمامه، أو يسحبها من تحت ابطه، قدّم لي كأس ماء مترع. من أين جاء به بهذه السرعة؟ أغمضت عيني لاستطعم الماء واتابعه يتسلل عبر صدري المحتقن بالغموض. فتحت عينيّ، وجدته ينظر في وجهي، استل مسباراً صغيراً ينتهي رأسه بفنجان على حجم فنجان العين يبث ضوءً شرساً، شهره بوجهي:

“افتح عينك”

وضع المسبار عليها وأخذ ينظر فيه. كانت انفاسه جافة تلفح وجهي، وفي فمه رائحة كحول بائت:

“عظيم، كل شيء في مكانه… أنت عميق جداً”

اقترب مني أكثر وتكلم بما يشبه الهمس، كأنه يسأل عن سر بيننا، وهو يتلفّت حوله:

” متى تسمع الأصوات؟”.

” عندما ألبس القبّعة “

” تقصد هذه فوق رأسك؟ “

” نعم! “

” تسمح لي بها؟ “

قبل أن أسمح له، مد يده واختطفها، اعتمرها وجلس باعتدال على رأسه، نكّس مقدمتها على جبينه كمن يحجب شمساً، شطح كرسيه إلى الخلف واسترخى، أغمض عينيه وأسبل يديه… واستسلم تماماً. شرعت أنفاسه تتصاعد بوتيرة كمن يهيئ نفسه للعطاس، ثم انفجر الهواء في صدره، انبثقت منه تنهدات ثم قهقهات صغيرة كالفقاعات، وأخذ يتعتع مثل قطار يشرع بالتحرك، تصاعدت ضحكاته شيئاً فشيئا وبسرعة أكبر، أنتفض من على كرسيه كالمصروع، ألقى بنفسه على الأرض وهو يرفس ويكاد يختنق من الضحك. هرعتُ إليه واختطفتُ القبّعة وتركته في مكانه حتى هدأ تماماً، نهض ومسح عينيه وتنهد بعمق:

“آه… أنت محظوظ “

” ماذا سمعت؟ “

” أسرار الخليقة”

” أنا أخاف منها، ولا أعرف كيف أتصرف معها … ماذا تنصحني؟”

” أنصحك أن تُبقي القبّعة على رأسك ولا تخلعها. اسمع ما يدور فيها، دعها تفضي ما في جعبتها، كما تسمح لصديق يبوح بما يجول بخاطره… أنت محظوظ… محظوظ فعلاً أن تلجأ اليك أرواح ملتاعة لم تجد غيرك شفيعاً”.

قام وراح إلى النافذة، أزاح الستارة قليلاً، نظر إلى السماء، أرجع الستارة إلى مكانها، وعاد إليّ كئيباً وكأنه يوصيني بالتعايش مع مرض خطير، قال بصوت يقينيّ يائس:

“ما عليك إلا أن تعيش معهم، تفهمهم، وتعتني بهم… أنت مآلهم الأخير وقد لاذوا برأسك، فلا تبخل عليهم بالعناية… لا تقلق! عليك أنّ تؤمن بها، أنها أفكارك”.

“أسمعها تتكلم طيلة الوقت، ولا أستطيع النوم”.

“سيأتي يوم تقتنع بك وتتفق وأياك وتنام معك بسلام”

“أشكرك، طمأنتني … كيف أدفع أتعابك؟”

“لا تدفع شيئاً… في الحقيقة أنا من يلزمه أن يدفع؛ فقد كنت بأمس الحاجة إليك. تعال لزيارتي متى يسنح لك الوقت، وإذا كنت بحاجة للمال سأعطيك ما يعوزك… اتصل بي”.

مدّ يداً واثقة من اصابعها، من حرارتها، فخورة بعروقها النافرة، ورقة أظافرها، صافحني واعطاني بطاقته الخاصة. كان عليها حرفان فقط بخط جميل” ج. ع “، ممزوجان بأناقة عالية، وعنوان ورقم هاتف.

سبقني وأسرع إلى باب الغرفة، انتشل معطفه من مشجب قريب منها، قهقه وهو يلوح عالياً بذراع نحيفة طويلة كما لو كان على ساحل يودع سفينة تُبحر عند الأفق، ودون أن يلتفت صاح: “لا تخلع القبّعة”. خرج وأغلق الباب وراءه.

نحن نعرف الآخرين ليس من وجوههم، بل من ظهورهم أيضاً. كان “ج. ع” ثعلباً جميلاً بذيل كستاني وثير، وعينان لوزيتان زائغتان، وفم تكتنفه ابتسامة ماكرة.

(2)

لا يفوتني الاعتراف بقلب صادق متواضع ذليل، بفضله وحسناته عليّ، حتى بعد موته، فلولاه ما فهمت العالم، وما كانت لحياتي أية قيمة أو هدف، ولا لهذه الأوراق من معنى. عندما زرته أول مرة لم أكن مريضاً، كنتُ متواطئاً مع جنوني. كنت واعياً لحاجتي، لمن يسمعني ويسمع الأصوات في رأسي، ليشهد معي على حقيقتها. كان “ج. ع” الرجل الوحيد من حولي، الذي سمعها وباركها وعمّدها بنور يقينه. لا أحد يقدر غير ذوي الشأن من أمثالي، عندما يكون تائها يحمل مصباحاً يفتش عن الظلام، ويأتي ملاك يأخذ بيده، يدرك آنذاك، أية أهمية للاطمئنان إلى النفس والثقة بها. بعد زياراتي اليومية له، وجلسات التنويم المغناطيسي المتبادلة بيننا، مكنني من حقيقة الأصوات في رأسي، وأهميتها في حياتي… مكنني من ذواتي المتعددة، وعرّفني على أعماقي السحيقة، التي لا قرار لها. كان يوصيني أن أدوّن كل شيء؛ ما أتخيله وما أشمه وما أسمعه تحت القبّعة. أكدَ عليّ بحرص شديد، أن ما أكتبه ستكون له قيمة تاريخية كبيرة في علم الطب الحديث، ويمكن الاستفادة منها في علم الجمال، والاجتماع، ربما اللاهوت، وبصوت خطابي وكأنه يلقي قصيدة قال:

” لطالما كان المجانين يكتبون للعقلاء،

وكنا نقرأ لهم بشغف شديد،

آن لنا أن نكتب للمجانين،

علّهم يقرؤون…”

حكمته هذه لم تنجه من الموت على يد مريض مجنون آخر، كان يجرب معه ما كان قد جربه معي: يستلقي على السرير ويطلب مني أنّ انوّمه مغناطيسياً، وأُحاوره. في كل جلسة كنت أُنقب في أعماقه واحفر في العتمة. بهذه اللعبة اكتشفتُ عشرات الأرواح الضائعة التي تسكنه، كما اكتشفتُ الأرواح الحبيسة التي تسكنني فأطلقتها من أقفاصها لتأخذني تحت جناحيها. بهذا الفعل الملموس، طبّبني وأعاد لي عقلي الذي كدت أفقده لعدم تصديقي ما أشهده وأسمعه في القبّعة.

طلبَ مني مرة، أنّ أقص عليه ما قاله في منامه المغناطيسي، فلم أخبره، لقد كان مرعباً وخطيراً. لكني تحت الحاحه الثقيل رضختُ لطلبه، ولفّقتُ له حكاية غير التي قالها، استقيتها من اطروحات فرويد، قلتُ له: “كنتَ تحكي عن أمك و …” قبل أن أكمل جملتي انتحب وأجهش بالبكاء، كان من العسير عليّ تهدئته، واعادته إلى مزاجه الاول. في الحقيقة كان يحكي عن أمر مغاير تماما، قصّ عليّ، عندما كان صبياً، كيف يتسلل من البيت ليلاً إلى مقبرة قريبة، وينبش قبورها يجمع الجماجم، يملأ بها غرفته ويمنحها اسماءً، يعلقها في السقف، أو يضعها على رفوف، أو في اقفاص كالطيور، ويختار الصغار منها، يرقّدها على وسائد في سريره، ويقص عليها حكايات قبل النوم. كان يقيم لها جلسات جماعية ويحاورها؛ يسألها، وكانت تجيبه بما تعجز عنه العقول، وتنطق بما تعجز عنه الألسن، يكلمها بلغاتها ولهجاتها الغريبة. بفضل حواراته اليومية معها، تعلم سبعا وعشرين لغة، واتقنها. بعضها لغات انقرضت منذ عصور.

المريض الآخر، الذي أنامه مغناطيسياً، الذي حاول “ج. ع” أنّ يتعامل معه بصدق النوايا، كما كان يتعامل معي، لم يعرف كيف يوقظه، شلّه الرعب، أقفل عليه الباب وهرب، وتركه نائماً. بعد أسابيع وجِد طبيبي ميتا بلا أي تبرير علمي موثوق به، موتاً شفافاً، مغناطيسياً، وهو يواصل الكلام، ويتكلم بلا هوادة، ويكشف بواطنه العميقة. عجزت كل الوسائل عن ايقافه عن البوح بمكنوناته، وايقاظه من نومه، فقد كان سره لدى المريض الذي هرب، وفقد عقله تماما على أثرها.

دُوّنت حالة موته تحت مسمى شاعري يليق بها: “الموت الثعلبي”. الموت الذي تصطنعه الثعالب وهي تستلقي مغمضة العينين، وترصد كل شيء عبر رموشها الطويلة. موت “ج. ع ” الثعلبي الذي مازال حياً منذ سبعة وسبعين عاماً، موت انتهازي، مخاتل. كنتُ على يقين أنه يراني وأنا أجلس لساعات أمامه، أحاوره بلا ملل، واستمع له كما كنت أفعل في أيام حياته.

أمست عيادته وهو مسجى على سريره يهذي مغمض العينين، مركز اً أبحاث لحالة لم تكتشف خصائصها. زرافات من البشر كانت تئم إليه كما يئم الحجاج إلى قبر نبي… كانوا يختبرونه في الغيب ويجيبهم. سأله أحدهم مرة عن جدته التي اختفت في ظروف غامضة، أخذ “ج. ع” يضحك ولم يتوقف إلا بعد يومين.

كان ذلك قبل أن ينقلوه إلى المتحف الطبيعي، ويضعونه في غرفة زجاجية عازلة للصوت، ويمنعون زيارته؛ فقد أخذ يكشف أسرار الجماجم التي حاورها في صباه، والتي اعتبرت من أخطر الأسرار.

(3)

ألِف الناسُ زيارة موتاهم في المقابر، أما أنا فأزوره في المتحف الطبيعي. إنّه حالة فريدة، لقية عجزت المتاحف من تقييمها، وتصنيف مكانتها، ومكانها. ما جاء به تقرير الطب العدلي من أنه “موت ثعلبي”، لم يُعتدّ به، فالمتاحف لا علاقة لها بالشعر والمجازات والبلاغة؛ فأُسجي “ج. ع” في غرفة زجاجية مغلقة، في قاعة كبيرة تستوطنها ديناصورات وهياكل عظمية لمنقرضات من عصور غابرة، إلى جانب رفوف وخزانات زجاجية تملؤها أجنة نادرة معلبة في قناني مغلقة يغمرها سائل شفاف تسبح فيه صامتة، أما “ج.ع” فكان يثرثر ويثرثر في زنزانته الزجاجية دون أن يسمعه أحد.

خلال علاجي على يده زودني بعدد من الأوراق والرسائل والشهادات والتوصيات، عن خصوصية حالتي، احتفظت بها بالرغم من عدم حاجتي لها بعد شفائي على يده. كانت حاجتي للقائه والجلوس في حضرته أمراً مصيريا. بكيتُ وانا اتذكر كلماته الشاعرية الخلّابة، وكأنه ينادي عليَّ بأعلى صوته “نحنُ ثعالبٌ، فتعال نلعبُ”. حملتُ التقارير والرسائل ووصفات الأدوية، وبعض الصور المشتركة لنا، وتوجهت الى المتحف، لألعب. في الطريق قلّبت الصور، وكانت سفرتنا إلى البحيرة للصيد أجملها، كان يصطاد السمكة ويجاهد معها، يخرجها وينزع السنارة من فهما، يكلمها ويقبّل رأسها ويعيدها إلى الماء. دخلتُ على مدير المتحف مفعما بالإحساس بعدالة قضيتي في لقاء طبيبي. طلبتُ منه حاجتي للانفراد بالطبيب داخل زنزانته الزجاجية لاستكمال علاجي النفسي. لم اسمح للمدير بالمناورة وممارسة سلوك يبرر مركزه الوظيفي، وانتزعت منه موافقة لزيارات منتظمة مفتوحة الوقت، وتعهدتُ له خطياً بكتمان ما أسمعه من أسرار.

فتحوا لي الباب وأدخلوني وكأنهم يسجونني في قبر، واغلقوا ورائي. انبعث منه رائحة كافور، لم يتغيّر لونه، لم يفقد نضارة وجهه، نمت لحيته وطالت حتى غطت صدره، تخللها بعض الشيب. جلست بجواره وقرّبت منه وجهي أنظر في عينيه المغمضتين كما كان يفعل معي، كفّ عن الكلام وتحركت رموشه للحظة، ارتجفت شفته العليا وعادت إلى وضعها. قلت له:

“لابد أنك افتقدتني كما افتقدتك… كانت مهمة ثقيلة ومرهقة أن أعيش لوحدي وقد تركتني وغادرت إلى عالمك… كنت خائفاً عليك… ماذا تفعل بوحدتك؟”

” أجمع الجماجم… أغسلها، أنظّف أسنانها، أفرش لها وسائد فوق العشب لتأكل وتنام بلا خوف. إنها تعاني من صداع مزمن. أقمت لها حفلات رقص وموسيقى، بعضهم موسيقيون عظام، ينزعون رئاتهم اليابسة يعزفون بها، بعضهم يعزف على عظام ثقبتها الديدان، ومنهم سحرة… وسفلة منحطون… غير أنّ أغلبهم قتلة. اغتصبوا ليلة البارحة عذراء؛ تسلل أحدهم إلى قبرها الوثير وكمم فمها، ربط ذراعيها وساقيها، فأخذت تصرخ بلا جدوى، ثم تناوبوا عليها… كلهم… فتحوا قبرها ودعوا اليها الأحياء في المدينة. فاض دمها، ملأ القبر وطفح منه، غمر الوديان، وراح يجري في الأنهار، حتى وصل البحر. في الليلة الثانية جاءها المخاض واسقطت وليدها البكر“.

سألته إن كان يعرف اسم أحدهم. أطبق على شفتيه، وقد كست وجهه صلابة لم اعهدها، وانبثقت من مآقيه دمعتان، تلكأتا برهة، وانحدرتا على وجنتيه بيأس تام، ثم غاب كلياً… بقيتُ بجواره حتى ساعة اغلاق المتحف. خلعتُ القبّعة وضعتها جانبا، وهمست في اذنه:

“سأبعثك من جديد يا ثعلبي الماكر”، وقبّلت جبينه.

قبل أن تغلق بابه، التفتُ اليه، وجدته يبتسم ويرمش، غمزتُ له وغادرت.

حالما استقبلني الشارع شعرت باضطراب وخوف عميق ورأسي حاسراً. عدت إلى المتحف لأخذ القبّعة، بعد خطوات تذكرتُ أنّه اغلق أبوابه وكنت آخر من خرج منه. قضيت ساعات أمشي، وتيّقن لي أنّي ضعتُ والشوارع التي قطعتها لم تكن يوما تعرف قدميّ، أنا المشّاء بلا خارطة فما كان مني غير أن أمشي إلى الأبد، حتى انتهى بي الليل منهكاً بائد الساقين، على مصطبة في طرف حديقة خلفية مهملة. استلقيت عليها ونمت. صحوّت على صفارات انذار وولولة عربات الاسعاف واجراس الحريق وعواء عربات الشرطة، وابواق القطارات والبواخر تزعق بلا هوادة…غطى عليها نباح كلاب قريبة وهي تتسابق تطارد شبحاً. نهضتُ وكأني من رصاص، كانت الشمس تتسلق سقوف البنايات الحجرية وتسطع فوق القباب. توجهت إلى المتحف، وكانت بوابته الحديدية مفتوحة تحتضن بين جنباتها العملاقة ذات المقابض المذهبة، شرطة ومصورين، في العمق يقف مدير المتحف مثل تمثال بطل قومي انتصر في الحرب. فتحت طريقي بين أكتاف متراصة، ووقفت أمامه اسأله أن كان يأذن لي بالدخول مبكراً إلى غرفة الطبيب فقد نسيت قبعتي هناك. أبلغني أنه هرب حالما خرجت منه، والشرطة تعتقد أني ساعدته على الهرب وهم يبحثون عنه وعني. أخذني من ذراعي وقدمني إلى أحدهم، وعرّفني له بالاسم والصفة. كان ذاك مسروراً، واخذني من ذراعي الاخرى وأدخلني عربة مصفحة واغلق عليَّ بابها. في خطوة واحدة وجدت نفسي خلف زجاج معتم وقضبان، حاسر الرأس، مصفود اليدين.

* كاتب و فنان تشكيلي من العراق

%d مدونون معجبون بهذه: