فِي جَدَلِ الدِّينِ والتَّديُّن (1 ـ 3)

كمال الجزولي غلاف

(مُقَارَبَةُ بَعْضِ مَلامِح التَّوظيفِ السُّلطويِّ للإِسْلامِ فِي فِكْرِ التُّرَابِي)*

(1)

رغم اختلاف العلماء في مراكمة شتَّى النَّظريَّات المفسِّرة لظاهرة (الدَّولة) تاريخيَّاً، فإن أكثر ما اتَّفقوا عليه العناصر الثَّلاثة المكوِّنة لها: الشَّعب، والإقليم، والسُّلطة. أمَّا في ما عدا ذلك، وفي ما يتعلق بـ (الدَّولة) كـ (جهازٍ وظيفيٍّ) يمثِّل (ضرورة المُلك) بالمصطلح الخلدوني، أو (جهاز القمع الطبقي)، حسب ماركس، أو (احتكار العنف الجَّسدي المشروع)، وفق ماكس فيبر Weber، فقد أخذت تتراجع إلى الوراء، مع تطوُّر علوم التَّاريخ والاجتماع والسِّياسة والقانون، الأفكار الأسطوريَّة البالية التى تصوِّرها كآلة محايدة، نزيهة، ومجرَّدة من الغرض. فمنذ وقوع (الانقسام) التَّاريخي في مرحلة متأخِّرة من مراحل تطوُّر البنية الاجتماعيَّة البدائيَّة، ما بين (قلة مالكة) مستغِلة و(أغلبية كادحة) مستغَلة، تلاشى بعيداً في تاريخ المجتمعات القبَليَّة، التى كان أعضاؤها، في ما مضى، ينتجون ويحمون حياتهم جماعيَّاً، شكل (التَّسيير) المستند إلى (الرِّضاء العام)، والتَّقدير الجَّماعي العفوي للملكات الفرديَّة التي كانت تؤهِّل بعض الأشخاص، كالشِّيوخ والفرسان، للاشراف على ذلك (التَّسيير)، بجمعهم فى ذواتهم بين (الامتياز الشَّخصيِّ) وبين (السُّلطة المعنويَّة)، دون أن يكون لديهم أيُّ (نفوذ مادِّي) لإملاء إرادتهم على الآخرين. لحظة (الانقسام) الاجتماعي التَّاريخي تلك كانت هي اللحظة التي برز فيها احتياج (السُّلطة) لأن تتأسَّس على قيمة أخرى غير (الامتياز الشَّخصي). فقد تكفَّل ذلك (الانقسام) حوْل ملكيَّة أدوات الانتاج، وما ترتَّب عليه، بالكشف عن أنه لم يتبقَّ “.. سوى حلَّين ممكنين لتفسير القدرة التي تتضمَّنها قرارات الحاكم: فإما تأليهه لإقامة توازن بين (سلطته) و(صفاته الشَّخصيَّة)، وإما وضع أساس (السُّلطة) في مكانه الصَّحيح خارج (شخصيَّة) الحاكم”(1).

هكذا ظهرت الحاجة إلى هذا (الجِّهاز الوظيفي) لإدارة المجتمع، فانتهى إلى شكل (الدَّولة) الحديث، ليقطـع مع شكل التَّنظيم القبَلي، وليصبح التَّفريق، حسب جورج بوردو، مقبولاً بين (السُّلطة) وبين (الأشخاص) الذين يمارسونها. لكن، لئن كان المتخصِّصون يعقلون، الآن، هذا التَّفريق في إطار (النَّظريَّة القانونيَّة للدَّولة)، فإن لدى غير المتخصِّصين شكوكهم في وجود قدرة مستقلة عن الحكَّام تفسِّر (سلطتهم). وتتلخَّص الإشكاليَّة، هنا، في عدم وجود من يستطيع أن يؤكِّد أنه رأى هذه (السُّلطة) بأم عينه، ومع ذلك لا يوجد، أيضاً وفي نفس الوقت، من يستطيع أن يؤكِّد أنها غير موجودة! ولعلَّ هذا، بالتَّحديد، هو ما يدعم تصوُّر (الدَّولة)، في وجه من الوجوه، بأنه ليس سوى “عقلنة للتَّفسير السِّحري للسُّلطة .. ليس، فى العمق، إلا عقلنة للاعتقاد الذى لا يمكن الاعتراف به فى وسط متطوِّر فكريَّاً. فبما أننا لم نعُد نستطيع الثِّقة بالخرافات والعجائب .. نطلب من بناء فكـريٍّ عقـلانيٍّ ما كان ينتظـره النَّاس في العصـور القديمـة من الخـرافة والميثيولوجـيا”(2).

مهما يكن من أمر، فقد أريق حبر كثير في التنظير الأيديولوجي لهذا (الجِّهاز الوظيفي/ الدَّولة)، كي يبدو وكأنه ينتصب، أوَّلاً، فوق الجَّميع، ويتجاوز، ثانياً، مزالق التَّفويض القبَلي والعشائري القديم، بطابعه العفوي العام، القائم على الإقرار الجَّماعي بخصائص بعض الأشخاص، كالشِّيوخ وغيرهم، باعتبارها مؤهِّل شرعيَّة إشرافهم على (تسيير) نشاط الجَّماعة، ويرتقى، ثالثاً، كنموذج إدارة، إلى نمط مؤسَّسي حديث يتشكَّل وفق هايراركيَّة مدعومة بفصائل مسلحة (تقرأ: قامعة)، حيث يتكفَّل بصون (النِّظام العام)، مقابل كلفة تغطَّى مِمَّا يُجبى من أموال (الضَّرائب).

غير أن حقل التَّاريخ، كمختبر حقيقي لأيِّ أيديولوجيا، فضح، منذ زمن بعيد، أن ما يسمَّى بـ (النِّظام العام)، باعتباره (مطلب الأغلبيَّة)، لا يعدو كونه منظومة (قواعد خاصَّة) بتأبيد (سلطة الأقليَّة) المستحوزة على (الثَّروة)، وأن الفصائل المسلحة ليست مسلحة إلا لحماية (صالح) هذه (الأقليَّة) المتمثِّلة في الطبقات والفئات والشَّرائح الاجتماعيَّة السَّائدة اقتصاديَّاً، ومن ثمَّ سياسياً، بعد رفع هذا (الصَّالح الخاصِّ)، زوراً وبهتاناً، إلى مرتبة (الصَّالح العام). باختصار فإن “.. الدَّولة التى قامت لتكون المركز المتجرِّد للسُّلطة، تتحوَّل لتصبح، غالباً، العذر للذين يحكمون باسمها، ويتذرَّعون بحظوتها، ولكـن .. أمزجتهـم وميولهـم ومصالحهـم (هـي) التي تملي القرارات التي تُنسـب إليها”(3).

هكذا أضحى مصطلح (الدَّولة) يُستخدم، أكثر فأكثر، للدَّلالة على (أداة التَّسلط) السِّياسي لـ (الأقليَّة) التى تدَّعي خدمة (كلِّ) المجتمع، باعتباره كياناً متماسكاً ومتجانساً، بينما هو، في حقيقته، منقسم إلى طبقات تتمايز، وتتدافع في ما بينها، بحسب اختلاف مواقعها من (السُّلطة والثَّروة)، وما ينتسب إليهما ويحيط بهما من مفاهيم دينيَّة وأخلاقيَّة وثقافيَّة وغيرها، فى إطار منظومة القيم والمثل والمؤسَّسات التي تشكِّل (البنية الفوقيَّة superstructure) للمجتمع، “.. عندها تصبح الدَّولة، المسيطر عليها من قِبَل الذين من المفترض أن يكونوا خدَّامها، ستاراً لمشروع تسلطي، على الأقل، إذا لم تكن ما رآه ماركس فيها عندما أدانها كأداة للقمع. إن الوهم يولد الأسطورة، وهكذا (الدَّولة)، التي صُوِّرت كـ (عامل تطهير) للسُّلطة من الضعف الإنساني، تصبح (أداة تبرير) له”(4).

مع ذلك من المهم النَّظر إلى (الدَّولة)، في بعض وجوه التَّعقيد الذي يسِم ظاهرتها، بوصفها فرعيَّة، أو حتَّى ثانويَّة، فى علاقتها بـ (المجتمع المدني)، إذ ليست هي التي تحدِّد هذا المجتمع، وإنَّما، على العكس، هي التي نشأت، تاريخيَّاً، من واقع حراكاته وصراعاته، فتحدَّدت بهما. وفى سياق تدقيقه للمفهوم الماركسي المعروف حول (نهاية الدَّولة) يرى غرامشي أن (الدَّولة) ليست منتهية بذاتها، وإن يكن من الممكن تصوُّر ذلك عنها كـ (أداة)؛ بمعنى أن نشوء واختفاء هذه (الأداة) مشروطان بنشوء واختفاء (المجتمع) الذي تعبِّر عنه؛ وهذا ما أسماه غرامشي (الدَّولة الموسَّعة)، أي الظاهرة بشقَّيها المدني والسِّياسي(5).

بهذا الفهم لظاهرة (الدَّولة) يصحُّ النَّظر إليها، من ناحية، باعتبارها، إذا قرنَّا بين تعريفات ماركس وفيبر وبوردو، (جهازاً سياسيَّاً طبقيَّاً للقمع المشروع)، أو باعتبارها (أداة ملك موضوعيَّة)، بمصطلح عالم الاجتماع الإسلامي عبد الرحمن بن خلدون؛ مثلما يمكن النَّظر إليها، من ناحية أخرى، باعتبارها كياناً (موسَّعاً) بشقَّين، سياسيٍّ ومدنيٍّ، حسب ملاحظة غرامشي.

(2)

لقد أصبح الكثير من المفكِّرين والباحثين، من مختلف المدارس والاتِّجاهات، كما ومن داخل حركة (الإسلام السِّياسي) في المنطقة، يعبِّرون، بمختلف الصُّور، عن اتِّفاقهم مع القول بأن (الدَّولة/ أداة المُلك الموضوعيَّة) هذه عادة ما تكون فى قبضة (الأقليَّة) في المجتمع، تستخدمها لضمان استمرار نفوذها وامتيازاتها الاقتصاديَّة السِّياسيَّة والاجتماعيَّة على حساب الأغلبيَّة. وينصبُّ مبحثنا، هنا، تحديداً، على التَّعرُّف على موقف (الإسلام السِّياسي) الحديث، عموماً، وفي السُّودان خصوصاً، من هذه القضيَّة، في ضوء المعياريَّة الصَّارمة التي أرساها الفاروق عمر (رض) للشِّق الوظيفـي السِّـياسي من (الدَّولة الإسـلاميَّة)، والمعـبَّر عنها بقـوله “ولانا الله على الأمَّة لنسدَّ لهم جوعتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم، فإن أعجزنا ذلك اعتزلناهم”، أو كما قال.

وقد تلزمنا، إزاء وضوح هذا الفهم، الإشارة، قبل أن نمضي قدماً، إلى نقيضه المتمثِّل في حُجَّة واهية يثيرها، عادة، كثير من (الخوارج الجُّدد) في باب تأويل مصطلح (الحُكم) القرآني ليطابق دلالة (السُّلطة السِّـياسيَّة)، حيث يحاولون الاستناد، بلا طـائل، إلى الآيات الكريمات الثَّلاث (44 ، 45، 47) مـن سـورة المائـدة: “ومن لم يحكـم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ـ الظالمون ـ الفاسقون”، لكي يؤسِّسوا على (مظهرها اللفظي) العام (حُجَّتهم) هذه. لكنها سرعان ما تتزلزل عند فحصها في ضوء أيٍّ من ثقات التَّفاسير. فقد أجمع الأئمَّة، باستخدام منهج النَّظر في سبب ومناسبة التَّنزيل، ومن بينهم، على سبيل المثال، ابن كثير والواحدي النِّيسابوري وجلال الدين السَّيوطي، نقلاً عن الأحاديث التي وردت في الصِّحاح والمسانيد المعتمدة، على أن هذه الآيات نزلت لأسباب تتعلق بإقامة بعض الحدود، كـ (القتل) في حالة يهود المدينة الذين أضمروا أن (يتحاكموا) بشأنه إلى محمَّد (ص)، فإن أفتاهم بـ (الدِّيَّة) أخذوا قوله، وإن (حكم) بـ (القصاص) لم يسمعوا إليه؛ وكذلك (الزِّنا) الذي استبدلوا، إزاءه، (الحكم) بتسويد الوجه مع الجَّلد بـ (حدِّ الرَّجم) في التَّوراة. وفى الحالتين كانت المآرب المضمرة هي التي تحرِّك الأفعال. ومن ثمَّ، فإن أيَّ مسعى لسحب دلالة هذه الآيات إلى حقل (الحُكومة) أو (السُّلطة السّياسيَّة)، بالمعنى الحديث، لا يعدو أن يكون ضربا من التعمُّل العاري من السَّند الوثيق، ونموذجا للتَّمادي في اللجاجة والمماحكة بدافع القفز إلى (الحُكم = السُّلطة السِّياسيَّة) شهوة وطموحاً(6).

غير أن بعض أبرز منظري حركة (الإسلام السِّياسي) أصبحوا ينأون بفكرهم، رويداً رويداً، عن تلك الحُجَّة الواهية، ويصرِّحون، في ما يتَّصل بانفراد الأقليَّة، عادة، باحتكار السَّيطرة على (الدَّولة)، بأن “هذه مسلمة .. قبِل بها الفكر السِّياسي والاجتماعي الإسلامي منذ وقت طويل. وقد نضيف إليها أن الدَّولة تتطلب، بالضـرورة، نخـبة سياسـيَّة تقودهـا. يحـدث، أحياناً، أن تتولى الطبقـة الاجـتماعيَّة الحاكمـة إفرازهـا، ويحـدث أن تتولى النُّخـبة إفراز الطبقـة”(7). ومع تحفظنا على القول بتولي (النُّخـبة) إفراز (الطبقـة)، إلا أن من اللافت بقوَّة، مثلاً، أن عادل حسين، المفكِّر والناشط والكاتب الإسلاموي المعروف، والذي كان، إلى حين وفاته في 2001م، قياديَّاً بارزاً بحزب العمل الاسلاموي المصري، ورئيس تحرير صحيفة (الشَّعب) الناطقة باسمه، لا يستنكف من الاستشهاد على سلامة قراءته هذه لظاهرة (الدَّولة) والسُّلطة السِّياسيَّة القابضة عليها في المجتمع بأطروحة كارل ماركس حول (نمط الانتاج الآسيوي)، وإن كان السَّيِّد عادل يرى أن السِّمة الأساسيَّة للعلاقة بين الحكَّام والمحكومين هي علاقة (تكامل) من خلال تنظيم الدَّولة(8)، مِمَّا يستتبع تحفظاً آخر، مردُّه إلى أن السَّيِّد عادل إنَّما يسعى حثيثا، في ما يبدو، لاستصلاح تربة فكريَّة مناسبة لاستزراع نوع جديد من (دكتاتوريَّة النُّخبة) يتجاوز النَّماذج الفاشلة السَّابقة التي ظلت تتناسل في المنطقة، إما بتأثير فكر البرجوازيَّة الصَّغيرة القومي، ببطونه وأفخاذه المختلفة (ناصريَّة + بعثيَّة .. الخ)، أو بتأثير الفكر الماركسي اللينيني في طبعته (السُّوفيتيَّة = الستالينيَّة) العتيقة، بحيث يتوفَّر لهذا (النَّوع الجَّديد) ما يكفي من مباركة الجَّماهير، و(تكاملها) معه، من خلال تنظيم (الدَّولة) التي يضفي عليها السَّيِّد عادل، بلا حيثيَّات فكريَّة مقنعة، مسحة من براءة الحمل ووداعته!

ولعلَّ عمق التَّناقض بين رغبة حركة (الإسلام السِّياسي)، المعلَنة حيناً والمضمَرة أحياناً، في تجاوز تلك التَّجارب الفاشلة، خصوصاً بناء (الحزب الواحد) و(الدَّولة القابضة)، خلال مرحلة التَّحرُّر الوطني في عقابيل الحرب الثانية، وتصفية النِّظام الاستعماري القديم، من جهة، وبين غلبة الانجذاب، للعجب، نفسيَّاً وحركيَّاً وتنظيميَّاً، من جهة أخرى، إلى النَّموذج الستالينىِّ الذي تأسَّست عليه نفس تلك التَّجارب، يتبدَّى بجلاء أكبر من أن يحتاج إلى فانوس ديوجينيس لإضاءته، في أطروحة د. حسن الترابى، زعيم حركة (الإسلام السِّياسى) الحديثة فى السُّودان، حول نفس المسألة. فقد أكد، صراحة، أن حركته أخذت “شيئاً من منهج التَّنظيم والحركة من مصدر قد يكون غريباً، وهو الحركة الشِّيوعيَّة .. (لأن) المنافسة التى كابدتها .. إنَّما كانت أساساً مع الحركة الشِّيوعيَّة، بل .. إن الحركة نشأت تحت وطأة الاستفزاز والضَّغط الشِّيوعي الأكبر، ولذلك اضطرَّت بعامل المقابلة وردِّ الفعل أن تأخذ عنها بعض التَّجارب التَّنظيميَّة والوسائل الحركيَّة”(9). ويقول فى موضع آخر إن العدوى “أصابت الحركة الإسلاميَّة .. من خلال التَّنافس بكثير من مناهج العمل الشِّيوعي”(10).

ولعلَّ المفارقة الدراماتيكيَّة تكمن هنا في توقيت هذه (العدوى)، حيث أن حركة التُّرابي ما اتَّجهت للنَّهل من مناهج الشِّيوعيين إلا في ذات اللحظة التَّاريخيَّة التي اتَّجه فيها الشِّيوعيون أنفسهم، للتَّخلص من تلك المناهج، وفي مقدِّمتها .. (الشُّموليَّة)!

على أن شيئاً من ذلك التَّناقض لا يحول دون الاتِّفاق، نسبيَّاً، مع السِّيِّد عادل في الجَّانب من أطروحته المتعلق بهيمنة (الأقليَّة) على (أداة) التسلط السِّياسي (= الدَّولة) في المجتمع المنقسم إلى (طبقات)، إذ لا بُدَّ من وجود (الأغلبيَّة)، بداهة، في الجَّانب المقابل. وربَّما حقَّ لنا أن ندفع بقول السَّيِّد عادل ليساير قولنا، منطقيَّاً، إلى أبعد من ذلك، بافتراض وجود هذه (الأغلبيَّة) في حالة (صراع) و(تدافـع) مع تلك (الأقليَّة) حول تلك الهيمنة، سلميَّاً كان ذلك أو تناحريَّاً. وحتَّى إذا ما بدا هذا (الصِّراع/التَّدافع)، فجأة، في حالة (سكونيَّة)، فإن ذلك، قطعاً، (سكون مؤقَّت)، أو (انقطاع مظهري) استثنائي/ طاريء. لذا، ومع اتِّفاقنا الجُّزئي مع السَّيِّد عادل، بل وربَّما بسبب هذا الاتِّفاق الجُّزئي نفسه، نجدنا مختلفين معه، تماماً، حول فكرة (التَّكامل) التى يجترحها، لا لكونها تصادم، فحسب، خبرة التَّاريخ وحقائقه الباردة، ولا لكونها تتناقض، فقط، وعلى خط متواز، مع القانون الموسوم بـ (وحدة وصراع الأضَّداد) في الفكر الماركسي (الدُّنيوي/البشري)، والذي أعلن السَّيِّد عادل إمكانيَّة قبول الفكر السِّياسي الإسلاموي ببعض مسلماته، بما في ذلك من رحابة مطلوبة من باب أن (الحكمة ضالة المؤمن، أنَّى وجدها فهو أحقُّ النَّاس بها)، كما فى الحديث الشَّريف، ولكن لكونها، وهذا هو الأهمُّ فى باب المقابلة بين (مطلق الدِّين) القائم على (ثوابت الهداية الإلهيَّة العامَّة) و(نسبية التديُّن) بمعايير (متحرِّكات الفكر البشري الدُّنيوي)، تتناقض أيضاً، مع قانون (التَّدافع) القرآنى نفسه: “ولولا دفعُ اللهِ النَّاس بعضَهم ببعضٍ لَفَسَدَتِ الأرضُ ولكنَّ اللهَ ذو فضلٍ على العالَمين” (251 ؛ البقرة)، أي أن الشَّرَّ، في الحقيقة الدِّينيَّة، وفق الصَّابوني، يُدفع بالخير، حتَّى لا يغلب فيعُم الخراب والدَّمار (صفوة التَّفاسير للصَّابوني؛ ج 1، ص 159)؛ وأيُّ خراب أو دمار أكبر من نفى (التَّدافع/الصِّراع)، عدميَّاً، فتخمـد أنفاس الحياة نهائيَّاً على الأرض و(تفسد)؟!

وإذن، فسُنَّة (التَّدافع/الصِّراع) هذه، لا (التَّكامل)، والتي ما تنفكُّ تتمظهر في حقل الاجتمـاع البشــري، ماضــية، كشــرط قــرآنى للاسـتمرار والتَّطـوُّر، إلى أن يرث الله الأرض وما عليها. وقد تُرك للإنسان أن يختار موقعه في هذا (التَّدافع/الصِّراع)، نهوضاً بأمانة (الاستخلاف)، استناداً إلى عقله، وكرامته، وحريته، وإرادته المستقلة، أي إلى منظومة القيم التي تشكِّل شرط تحقُّقه الإنساني بمعايير (الحكمة وراء الخلق)، من جهة، كما تشكِّل ميزان حسابه، في نهاية المطاف، بمعايير (العدل الإلهي المطلق)، من جهة أخرى: “يا أيُّها النَّاسُ إنَّما بغيُكُم على أنفُسِكُم متَاعُ الحَياةِ الدُّنيا ثُمَّ إلينا مَرجِعِكُم فنُنَبِّئُكـُم بِما كـُنتم تعملون” (23 ؛ يونس)، “وأنْ ليسَ للإنسانِ إلاَّ ما سعَى. وأنَّ سعيُهُ سوفَ يُرَى. ثُمَّ يُجْزَاهُ الجَّزاءَ الأَوْفَى” (39 ، 40 ، 41 ؛ النَّجم).

ولأنَّ (الدِّين)، من ناحـية، ثابـت فـي عقـيدة المؤمـنين بمـا هـو (الوحـي)، و(كلمـة الله) المطلقة، قطعيَّة الورود والدَّلالة، و(هدايته العامَّة) التي تنفرد وحدها بالدَّيمومة والاستمرار، ولأن (التَّديُّن)، من ناحية أخرى، متحرِّك، فى الواقع المُعاش، بما هو كسب البشر المسيَّج بأشراط مداركهم المحدودة بمتغيِّرات (المصلحة) وفق ظرفي الزمان والمكان، فإن أيَّة محاولة لإحلال واحدهما محل الآخر، في سياق (التَّدافع/الصِّراع) الذي قد يتغيَّر طابعه دون أن ينقضي هو نفسه نهائيَّاً، لا تعدو كونها ضرباً من الخلط والتَّخليط اللذين ينتسبان إمَّا إلى (سوء الطويَّة)، أو إلى (فساد النظر)! على أن النتيجة، فى النِّهاية، واحدة، إذ لا فرق بين من يسعى (عامِداً)، مع علمه بفساد هذا السَّعي، إلى تأويل (الدِّين) لحساب كسبه في سياق (التَّدافع/الصِّراع) الدُّنيوي، وبين من (يتديَّن) بـ (الاعتقاد) جازماً، على صعيد الرَّأي، بأن ثمَّة (قداسـة دينيَّة) في ما يصيب من كسب في سياق نفس (التَّدافع/الصِّراع) الدُّنيويٍّ، فكلاهما يجعل من الدِّين، في نهاية المطاف، (رأياً)، أى (خصومة)، ومن الرَّأى (ديناً)، أى (طغياناً)!

                                                                                 (نواصل)

 _________________

الهامش:

* من مؤلَّف الكاتب (عتود الدَّولة) ـ قدِّمت كورقة أمام (ملتقى نيروبي حول الدِّين والدَّولة، 23 ـ 25 فبراير

2017م)  ـ نعيد نشرها بمناسبة الذِّكرى الأولى لوفاة د. التُّرابي في 15 مارس 2016م.

المصادر:

(1) جورج بوردو؛ الدَّولة، ترجمة د. سليم حدَّاد، ط 1، المؤسَّسة الجَّامعيَّة للدِّراسات والنَّشر والتَّوزيع، بيروت 1985م، ص 75.

(2) نفسه، ص 76.

(3) نفسه، ص 14.

(4) نفسه.

(5) كريم أبو حلاوة؛ “إعادة الاعتبار لمفهوم المجتمع المدني”، م/عالم الفكر، ع/3، المجلس الوطنى للثَّقافة والفنون والآداب، الكـويت، ينايـر/مارس 1999م، ص 16 ـ وأنظـر ضمـنه:

Bobio, Norbirto; Civil Society in Gramci, 1988, p. 76 – 77).

(6) خليل عبد الكريم؛ لتطبيق الشَّريعة لا للحُكم، ص 15 ، 16.

(7) عادل حسين؛ المحدِّدات التَّاريخيَّة والاجتماعيَّة للدِّيموقراطيَّة، ورقة ضمن مجموعة بحوث بعنوان: أزمة الدِّيموقراطيَّة في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربيَّة، بيروت 1984م، ص 204.

(8) نفسه.

(9) حسن التُّرابي؛ الحركة الإسلاميَّة في السُّودان: التَّطور والكسب والمنهج، ط 2، بيت المعرفة ـ معهد البحوث والدِّراسات الاجتماعيَّة، الخرطوم 1992م، ص 25.

(10) نفسه، ص 144.

* كاتب وشاعر من السودان

%d مدونون معجبون بهذه: