التسامح

images

(1)

هذه الكلمة سوف توحي مباشرة بأن ثمة خطأ ما في مكان ما. خطأ يستوجب غض النظر عنه، أو التنازل عن مطالبة الحق فيه. أو هو خطأ يمكن تفاديه. لكنه خطأ.

(2)

في اللغة ، لن تصادف كلمة باردة الرواء، حييّة الحسّ، غنية الدوال، زاخرة المحبة، تنثال شلالاً من  الإيجابية. حيث لا تجتمع حروف السين والميم والحاء في العربية إلا وكان الحنوّ هو الغاية والهدف، حيث (سَمَحَ) هو الجذر الأول لكافة تصريفات هذا الفعل الساحر.

غير انه، ضمن سياقه المتداول في راهن العصر، يُعتبر من أكثر المصطلحات عرضةً لاستغلال هو نقيضُ المعاجم .

التسامح هنا، والآن، كلمة مراوغة المعنى، متماهية التعبير بنقائضها. ففي التسامح، الذي يجري تداوله وترويجه، اتهامٌ صارمٌ بالخطأ والخطيئة، التي ستجيز للبعض غضّ النظر، والتنازل، والعفو، والغفران، وبالتالي التسامح، وتجاوز ذلك تحت شعار التفاهم الكوني والسلم الاجتماعي. غير أن هذا كله ليس سوى إجراءٌ مؤقتٌ يجيز (كذلك) لصاحب التسامح نقض ذلك، فليس هذا التسامح سوى كرمٍ فائضٍ يحق لهم قطعه.

(3)

سوف يبدو لي دائماً، حين اسمع كلمة (التسامح)، أن ثمة شخص (شخصاً) يكمن هناك يستعد لفرض شروطه مقابل هذا التسامح. وأخشى دائماً أن تكون هذه الشروط، من العسف، بحيث تضع إنسانية الشخص في أحطّ دركات العيش مذلةً. فما من قوانين أو حدود أو حيثيات تفيد برفض هذه الفكرة المجردة من المشاعر المشحونة برغبات المحبة والتفاهم للسلم والعيش المشترك. لكن، أيضاً، ليست هناك ضمانات أن تكون كل هذه الرغبات وتلك المشاعر مصانة ومحروسة بالكرامة. فمن يسامح لمن، في هذه (المباهلة)؟

(4)

وبقدر ما في كلمة التسامح من نعومة الظاهر واستعدادها الوشيك للمعانقة، فإن قدراً من الصلافة تكمن وراء نعومة المعانقة الوشيكة.حتى إذا استخدمت الكلمة في حقل الاختلاف والتنوع الديني، ورغبة معالجة تعقيداته، بل خصوصاً عندما تستخدم كلمة التسامح في هذا الحقل بالذات، فإنما أنت خطوت الخطوة الأولى في الافتراض بأن ثمة شخص (شخصاً) قد وقع في الخطأ وأنني مستعد لمسامحته على ذلك. بل أنك أشرت بقوة يقينك أن اختياره لدينه أو مذهبه هو ذنب يستوجب العقاب، لكنك تسامحه على ذلك.

وفي هذا السلوك من المزاعم والنفاق ما يجعل المرء محاطاً بالريبة والتوجس، مما يفسد والحياة ويعطلها.

(5)

في حقل إشكاليات الأديان، ما إن يدعو أحدهم إلى التسامح، حتى نكتشف أنه يصدر عن موقف يشير الى خطأ الطرف الآخر. فإذا كنت في الإسلام ودعوت إلى بالتسامح، فإنك بالضرورة تفترض أن الذي في الدين الآخر قد اخطأ في خياره، لكنك مستعد للتسامح معه. والعكس سيكون كذلك. وهذا ينطبق عند الكلام عن المذاهب.

والطريف في كل هذا أن عتاة المسلمين الداعين للتسامح مع الأديان الأخرى، نراهم يقصرون ويتخلفون عن التسامح مع المذاهب الأخرى في دينهم الإسلامي نفسه. فكيف نصدق أنهم صادقون هناك، دون أن ينجحوا هنا؟

(6)

 ثم ، لماذا يصحّ لأي طرف افتراض خطأ اختيار الآخرين لأديانهم ومذاهبهم؟. من أين نمتلك هذا الحق؟

ثم لماذا يراد لمصطلح التسامح تجاوز دلالته الاجتماعية البسيطة، لأن يكون مطية للعديد من الدلالات السياسية والأيديولوجية والتاريخية؟

لنجد أنفسنا في موج عارم من المعاني الملتبسة وغامضة المصادر والمذاهب. إذ كلما اختلفت الجهات على استخدام مصطلح التسامح ، صارت الخطورة التي تحدق بنا غزيرة الاحتمالات، وأصبحت كل تخوم الحريات المتصلة بخيارات الفكر والتفكير الديني والمذهبي مجلبةً لأسباب التجريم والشبهات، بالتالي تكون محطات فاجرة للنفاق الاجتماعي الفتاك.

(7)

ولأن الدين والمذهب شأن شخصي، فليس من حق اعتى السلطات، ديمقراطياً، محاسبتك عليهما. فما بالك الزعم بأن احدهم يستطيع، تحت شعار التسامح، تجريمك ووضعك تحت طائلة الشبهة، والتكرم بالعفو (المؤقت) عنك، والجلوس معك لتبادل الشتائم.

لماذا لا نريد الاعتراف بالآخر وبحقه الكامل في الاختيار الحر، واحترام ذلك الخيار وقبوله ؟

لماذا لا نعترف بالتعدد في شتى الحقول، بما فيه تعدد الأديان ، وتنوع الاجتهادات المذهبية، هذا التعدد والتنوع الذي كان النواة الحيوية التي نشأت في حضنها الفكرة الديمقراطية عند اليونان. هل نقدر على قراءة التاريخ جيداً بدل أن نكون ضحيته؟

(8)

سيبدو لنا التسامح أحد آخر الابتكارات التي اجترحها العقل الفاشي، من أجل تقنين القمع والمصادرات وفرض الحظر الكوني أمام الإنسان ضد نزوعاته الفطرية الأولى.

حين تتنادى المؤسسات الدولية والمنظمات العالمية، رسمية كانت أو أهلية، بشتى مشاربها الدينية والمذهبية، طارحة برامج التسامح، بوصفها الحلول (الإنسانية) لإنقاذ العالم من المخاطر، إنما هي، هذه المؤسسات والمنظومات، تضع الحياة الانسانية في عنق زجاجة مختومة بالغاز السام الذي يمنع الهواء عن القلب. وهي أيضاً تنادي بكلمة الحق الباطلة بالذات لاحكام الظلام الدامس أمام أبصارنا المكفهرة لفرط التحديق في شمسٍ ليست لنا.

تلك هي الفاشية الجديدة التي يتوافق عليها الذين يعلمون والذين لا يعلمون، لارتكاب الجرم ذاته، ليستوي الجميع في الذنب بلا مظنّة.

(9)

ربما كان مصطلح التسامح تعبيراً مناسباً للفكرة المتصلة لتجاوز (بتجاوز) أزمة الشعب والسلطات الحاكمة، وهو المشروع الذي اقترحه واشتغل به (عليه) أصحاب الشأن السياسي في البحرين غداة بداية القرن المتزامنة مع مشروع (الإصلاح) في البحرين. لكن هذا ليس موضوعنا.

ذلك التسامح الذي استعدت به فئة من الحركة الوطنية لإصلاح ذات البين بين الحاكم وشعبه. وهو تسامح واضح مباشر مع الجناة الذين لا يزالون. الى حد أنني أفترض  بأن ثمة شخص يخالجه الآن الشعور بالتسرع في ذلك المشروع ، لأن المذنب صار قادراً على البدء من جديد.

فلربما نحتاج لسماع رأي “بول ريكور” حول ( النسيان والغفران المستحيل)، بقدر من الألم. فليس من العدل (مثلاً) الكلام عن غفران من غير توبة.

وعلى كل حال هذا ليس موضوعنا ، فلهذا حديث آخر يستوجب عدم تفاديه.

*شاعر من البحرين

%d مدونون معجبون بهذه: