العود الأبدي : فصل إعادة صناعة الحقيقة وتحرير الأمل

عمرو

“رُبَّما كُنْتَ أَصغر
ممَّا رَأَتْ فيكَ تلك النبواءتُ
أَو كنتَ أكْبَرْ
غير أنك تجهل أَنَّك شَاهِدُ عَصْرٍ عتيقْ
وأن نَيازِكَ مِنْ بشرٍ تتحدَّى السماء
وأن مَدَارَ النجوم تغير”  (الفيتوري)

رغم أنني غادرت الحياة اثنا عشر عاماً قبل هذه اللحظة في آخر مرةٍ قضيت فيها نحبي، إلا إنني أجد أن الحياة لا تزال جديرة بالاهتمام وجديرةٌ بالعودة إليها مرةً عقب أخرى.
والآن أفهم جيداً انها حكاية الإنسان ومصيره الغائب الذي لا فكاك له منه. لكنني أحب هذا، أحب هذا كله. أحب أن أبدأ من جديد. وأحب هذه الفكرة، فكرة أن العالم يتخلق في كل لحظة نولد فيها، وفي كل لحظة نغيب فيها عنه، وفي كل لحظة نعود فيها إليه.
ربما بعد كل هذه المحاولات ما بين الموت والحياة ، يتوجب علي أن أعترف أنه ليس ثمة طريقةٌ معروفة للحصول على مبتغاي، غير أن الطرق لا حدود لها هنا والأفق مفتوح على مصراعيه. الحقيقة غائبةٌ تماماً. وبدأ لرجل مثلي – إدّكر شأن الحياة بعد أمة – كما لو أن الحقيقة لن تأتي إطلاقاً.
أذكر أن تلك اللحظة التي اختبرت فيها العالم أول عهدي بالحياة تم حفرها عميقاً في دخيلتي. لقد تلخصت عندي أول خبرةٍ لي بها في أمرين: شعور بالضياع لفقد من أحب، وألم قاسٍ لغياب الحقيقة. وفي النهاية الألم كله يتعلق بالفقد، وبدا لي أن الحياة كلها تتعلق بالألم. لعله الأمر الذي دفعني المرة تلو الأخرى للعودة إلى الحياة بكل حماس، علًي أغيرُ فيها، لكني أدخلها لأتركها سريعاً بقنوط ويأس وألم.
غير أنني الآن أعلم أنني لن أنصف نفسي بالرحيل، حين لا يكون الغياب يشرع أبواباً للسعادة والطمأنينة، أو يضع موانع تحجب البؤس والألم. لن أنصف نفسي بالرجوع، حين لا تكون العودة للماضي ممكنة، حين تكون العودة رحلة من البحث داخل مستنقع من الألم ما له من قرار. الحقيقة ستظل غائبة، وفقد أحبتي يستمر، والآلام وقت الوحدة تتضاعف، والحزن فينا يُقيم والوحشةُ تتمدد.
لكني سأعود لأحاول مرة أخرى، رغم أن العالم يتخلق في كل لحظة نولد فيها، وفي كل لحظة نغيب فيها عنه، وفي كل لحظة نعود فيها إليه. بل في كل لحظة نغفل فيها عنه. ليس ثمة حقيقةً أو معطى غير هذا كله. سنظل دوماً غرباء والوحشة لن تنفك عن كونها أول شعور نختبره بقدومنا الى هذا العالم.
نختبر ألماً لحظة الفقد والغياب. إذ أننا لحظة فقدنا من نحب نفقد معنىً ما. ولحظة انتباهنا لغياب الحقيقة هي لحظة فقداننا المعنى كله. رغم هذا الغياب كله أجدني أحب هذه اللعبة، وهذه الفكرة، فكرة الألم الناتج عن الغياب.. الألم الناتج تحديداً عن غياب الحقيقة هذا كونه يعطي الأمل فرصةً، يعطي الألم غياباً، يعطي المعرفة حضوراً، يعطي الحرية أملاً، وربما إنه سيعطي الممكن حرية.
غياب الحصون والضمانات ربما إنه بالحق سبب آلامنا وعذاباتنا اللامنقطعة، ترويعنا وفزعنا المستمر، أمننا اللامستقر وقلقنا الدائم. لكن لربما هو سبب تواجدنا الكتف بالكتف. إن هذا الغياب الطاغي والمؤلم مع ذلك وفي جميع الأحوال النبع السرمدي لإرادتنا الحرة.
بالنسبة لي ومنذ وقت طويل بات القرار واضحاً: سأعود للحياة في كل مرة لأزرع الأمل في يباب أرض الشؤم ، الحياة في قفر أودية الموت ، الجمال بدلاً عن القبح ، البهجة مكان العبس ، سأرفع وأحط ،أتحرك وأسكن . أفعل ذلك وبرغم غياب الحقيقة ، لأنني جزء من هذه الحقيقة نفسها ولأني لي إرادتي الحرة التي سأمضي بها أبعد ما يمكن لأصوغ جوهر الحقيقة هذه أو أستردها واسترد معنى فقدته من حيوات لي مضت، أو أكون آخر محاولةٍ يشهدها هذا العالم العبثي لصنع المعنى: معنىً يخصني أنا وأخصه. معنىً خلق لأجلي بالأساس وخلقت لأجله.

* كاتب من السودان

%d مدونون معجبون بهذه: