بروفايل :ميرغني محمد عثمان ديشاب

نجدُنا هنا، أمامَ جبلٍ كاملِ الطُّفولة، جبل تتكأ عليه شتى رياح المعرفة، وتُحاول الإمساك بشرط وجوده.

طفولة هي التساؤلُ يمضي بالتدارك نحو اللحظة، طفولة ماؤها الخِفَّة لو علمتَ بالخِفَّة، ومن هولِ ما نحن حاولنا الإحاطة:

ميرغني محمد عثمان ديشاب،  “ميرغني ديشاب”، مولودٌ في العام 1955، في منطقة دوشات جنوب وادي حلفا، تحديداً “بطن الحجر”، وعنها يقول إنها: “محصورةٌ بالجبال شرقاً وغرباً، والنهر حاضر، وكنتُ حينها سماكًا، والمنطقة خصبة، وشهيرةٌ بالذهب، رغم أنها أفقرُ مناطق الشمال، فأنجزتُ طفولتي بمعارف عميقة بالبيئة المحيطة، معارف هي الجبلُ والنخلُ والنهر، معارف أن أكون في الحياة”.

درس شاعرنا، أستاذ/ ميرغني ديشاب، بجنوب وادي حلفا الابتدائية، ومنها إلى حلفا الجديدة المتوسطة، ثم جامعة القاهرة فرع الخرطوم، كلية الآداب، علم الاجتماع، قسم أنثروبولوجي، وله ماجستير في معهد الخرطوم الدولي للغة العربية، في علم اللسانيات “1993”، ويشيرُ شاعرنا، أنه بعد الوسطى مباشرةً عمل في معهد كسلا، كما عَمِلَ في تدريس المرحلة الثانوية في ولايات القضارف، وكسلا، والشمالية.

وقبل نيله لبكالوريوس التخرج بعام، تم تفريغُه لدراسة تراث الشعر الشعبي من العام 1978 حتى 1980م، برفقة الطاهر عبد الكريم، أنجز خلال سبع عشرةَ  مخطوطة، فُقِدَت كُلُّها لدى وزارة الثقافة.

وشاعرنا باحثٌ يشتغلُ على تنقيبات جليلة، نجول مع  معاوله في حوارٍ غير منشور: “إن التاريخَ مجموعةٌ من الحلقات غير المنفصلة، ولا يُمثِّلُ السياقُ الزمنيُّ إلا إحدى هذه الحلقات، لكن نجد أننا في مناهجنا الدراسية ندرس التاريخ في السياق الزمني فقط، فنقول: إن المهدي فتح الخرطوم سنة كذا وإسماعيل باشا دخل السودان سنة كذا، أما المُلابساتُ التي تكتنفُ التاريخ، الثقافية والسياسية والاجتماعية.. الخ؛ فهي لا تُدرَسُ من خلال هذه الطريقة في دراسة التاريخ، ونجدُ أن مكي شبيكة هو أول من دعا إلى كتابة الجانب الشفاهي من تاريخ شعوبنا، ودعا إلى ضرورة الاعتناء به، ولو أن الشفاهية قد تعيبها المركزية التي ينطلق منها الفرد، “الراوي”، فيمكن أن يكذب هذا الراوي لأسباب عِدة”.

ينظر الشاعر والباحث ميرغني ديشاب إلى اللغة بوصفها حاملة الثقافة، أو ماعونها.

ويقول: “أنا شخصياً، أقوم بدراسة المُفردة على أساس أنها منظومة ثقافية، ليس كما يوجد عندنا في مدارسنا، الكلمة ومعناها، وهذا يمثل إفراغاً للكلمة من محمولها الثقافي”.

وفي سمائه البحثية هذي تلتمعُ أنجمٌ شهيرة، هي كتبه في ليل النشر:

1/تعليم القرآن واللغة العربية في السودان 1969_2001. نشر بجهد ذاتي عام 2008، وهو بمثابة دراسة نقدية في هذه التحولات التي حدثت.

2/النوبية في عامية السودان العربية.

3/النوبية في شعر بوادي السودان.

والكتابان نُشِرَا 2012 عن طريق مجموعة شركات دال.

4/خليل فرح نحو قراءة أخرى. 2013 بواسطة دار مدارات للنشر، وهو دراسة تخصصية من الناحية اللسانية.

5/البطاحين شعرهم تاريخهم شعراءهم. 2016 بجهد ذاتي، ويأتي الكتاب في إطار دراسة الكيانات الثقافية السودانية، في انتهاج لعلم الاجتماع القبلي دونًا عن الاجتماع الريفي والحضري، وفيه إشارات للهمبتة والهمباتة كـ”علم فروسية سودانية” قيميًا، وتضمن دراسة لفرح ود تكتوك على المستوى اللغوي.

وفي سماءه كذلك، أنجم تنتظر، تحت الطبع، وهي:

1/الرشايدة سلالة عبس في السودان.

2/محمد وردي جدل الإيقاع النوبي.

أما المخطوطات كثيرة، وتبلغ ثمانٍ وثلاثين مخطوطة، أهمها:

1/معجم شعراء البطانة. “اشتغل عليه ثلاثاً وعشرين سنة سنة”.

2/الشعر النبطي في السودان.

3/أرض البطانة اللغة والتراث الشعري.

4/جدال اللاحقين في كتابة الشعر الشعبي العربي في السودان. “ويتناول هذا المبحث كتابة اللغة العامية عند أ/عون الشريف قاسم، أ/يوسف فضل حسن، أ/سيد حامد حريز، أ/عبد الله علي إبراهيم، د/عبد الحميد محمد أحمد، والفنان/الفرجوني.

5/مسادير الصيد في الشعر الشعبي العربي في السودان.

وحدائق ديشاب الشعرية مجلوبةٌ من طينة المهل، وعنها يقول: “بدايتي كانت مع الشعر العمودي الكلاسيكي في العام 1968، حيث نشرتُ أوَّل قصيدة في مجلة الإذاعة والتلفزيون، ثم انتقلت في تطور بطيء لما يُسمَّى الحداثة الشعرية، لكن تمسُّكي بالشعر العمودي قوَّى معرفتي باللغة العربية، وأنا من شُعراء السبعينيات، أكتبُ الشعر الحديث كما سمَّاه جيلُ الستينيات، وحول هذا كان لنا صراع كجيل حول “الكتابة الجديدة”، مما أفرز رابطة الزرقاء بسنار، ورابطة الجزيرة للآداب والفنون بود مدني، وجماعة أولوس بكسلا، والآن أقول: إن المجايلة أي قياس الشعر بالزمن ليست ضرورة”.

وعن القصيدة يقدح ديشاب أنها تحتاج لتأنٍّ وإعادة نظر وتمهُّل، ولا وجودَ لما يُسمَّى بالإلهام، والشعر صناعة ينبغي أن تكون مُجوَّدةً، مُدهشةً، تُثير الأسئلة، وواضحة فيها الفكرة الشعرية.

ومن الدواوين له المخطوطات:

1/الرياح التي لا أراها وتراني.

2/لغة في الرحيق.

3/ماريا تخرج الآن هكذا. “غير مكتمل، بتمهُّل”

وله تجربة شعر غنائي مع الفنان عبد المنعم الخالدي، والفنان محمد مطر “ود مطر”، كما أنه ألَّفَ ولحَّنَ أغانيَ بالعامية العربية، وألَّفَ ولحَّن وغنَّى باللُّغة النوبية.

وللأستاذ ميرغني ديشاب مجموعة قصصية للأطفال.

وعن تجربته يقول إنه راضٍ عنها تمام الرضا، لكن ما أضر هو انتدابه للتدريس بالمملكة العربية السعودية، حيث خمل فنياً، وعاد إلى السودان في 89 حيث الغياب التام للمنابر، مما صعَّب عليه النشر، خصوصًا لجيل السبعينيات.

أيها الشَّاعرُ الناسجُ الآنَ بُردَتَهُ

من نُجومِ الكَتِفْ

أشعلِ الوقتَ في النَّاعساتِ القصائد

وقُلْ لن تموتَ بأحزانِها دُونَ أن تَرْتَجِفْ

قَاسِمِ النَّار بهجتَها في التبرُّج

والنساءَ خَلاخلَها

والقمرَ سطوتَهُ في الفضاءِ الذي فيكَ أوَّلُهُ

لا تخفْ

أَرِهِمْ في يَدَيْكَ الحَجَر

يُوصَفُ الشِّعرُ في رقِّهِ بالرَّحيق

وفي سُكْرِهِ بالمُقاتِلْ

فيا حَجَرَ الشِّعْرِ في رقِّ أحزانِنا،

كن رحيقًا وقاتلْ.

من قصيدة (لغة في الشاعر).

 

 

 

* شاعر من السودان

 

%d مدونون معجبون بهذه: