ميلاد

“يمكنك الآن أن تكوّن صداقات كما تريد ، و تجعل لك رفاقاً لا يفارقونك، فلن نرحل مجدداً، سنبقى في الخرطوم”  قالها والدي بلهجة ساخرة ونبرة حديث  مفتعلة كأنه كان يتدرب على حفظها  و إلقائها طيلة اليوم، المريح أن الرد على والدي لا يتطلب مجهوداً، فبمجرد أن يكمل جملته يلتفت نحو أوراقه التي لا تنتهي ولا ينتظر رداً، فكما قلت كانت تأدية واجب لا أكثر.

في الحقيقة سفرنا الدائم صنع حاجزاً يمنعني من التواصل و بناء علاقات مع الأصدقاء،  فما جدوى أن يكون لي أصدقاء وأعلم أني سأرحل عنهم بعد شهور، على عكس إخوتي الذين كانوا يتركون ورائهم أصدقاءً في كل مدينة ، كأنهم يجدون متعةً في اقتناء البشر بإختلافاتهم بل حتى يتنافسون في عددهم، فتجدهم يقدسون لحظات الوداع التي يصنعها سفرنا و لحظات تبادل الهدايا التذكارية الأخيرة أكثر من الصديق الزائل المؤدي لدوره في مسرحيتهم.

ذلك السفر الدائم، كان يصيبني بهلع و خوف  متواصل و أحمد الله أني لا أترك ذكرياتٍ خلفي و ألعن عمل والدي و طبيعته، عمله كضابط إداري و عضو  قديم فعال ضمن الحزب الحاكم، و على حسب عمله الذي لا أفهم أبعاده تماماً إلا أننا جُبنا جميع أنحاء البلاد على عجلٍ وبلا شغف للأسف، بالإضافة لتواجدنا  خارج البلاد لمدة عام لدواعٍ يعلمها هو فقط.

زيارتنا للخرطوم مختلفة هذه المرة  قد كانت بطعم البقاء و الاستقرار أخيراً، كما أنه عام مفصلي بالنسبة لي اذ أجلس فيه لإمتحان الشهادة السودانية تمهيداً لدخولي الجامعة ، وربما هذا ما جعل والدي يفتح معي حواراً في أمر غير عملي و ليس مهماً في نظره ، فتلك طبيعته ما أن يقترب أحدنا من تلك المرحلة الفاصلة حتى يبدأ التقرب الساذج المكشوف لنا ، تمهيداً لتدخل عظيم يفرض فيه ما يراه مناسباً لنا حتى ندرسه ، بالنسبة لي كان تدخله واضحاً صريحاً هو يريدني طبيباً جراحاً داعماً حجته بتفوقي المشهود في المدرسة ، لم أكن أهتم ، لا بأس ربما أصير جراحاً ماهراً ذات يوم أو لا أصير، حقيقة لا أهتم ولا أمانع أيضاً .

ومع استقرارنا في مدينة الخرطوم، تحديداً حي العرضة بأم درمان ، الحي النشيط المشتعل دوماً، و إلتحاقي بمدرسة ثانوية مليئة بالمغامرات. كنت أحسب نفسي سأستشعر المتعة و البهجة و أصنع الأصدقاء من حولي، لكن يبدو أن فترة عزلتي أثرت على مهاراتي في تكوين الرفاق،  فكنت مكتفياً بإبن عمتي أسامة ، هذا الشاب المرح الذي يسبقني بعامين، ما يميز أسامة عن كل المعارف و الأصدقاء ، إحساس الأريحية معه ، فلا حاجة لي أن أكون شخصاً آخر ولا حاجة لي أن أكون لطيفاً  أكثر من اللزوم بل لا حاجة لي أن أفتح الحوارات و أبحث عن القصص،  يحترم أسامة لحظات الصمت و السأم العابرة و يقدرها كثيراً، ربما هذا ما جعله يغدو أقرب الناس لي، بل جعل زيارتي لمنزلهم في حي العباسية أمراً يومياً ثابتاً و روتيناً  منتظراً.

كنا نقضي وقتنا في الشارع، يجلس أسامة في كرسي متجاذباً أطراف الأحاديث مع كل المارة تقريباً، مشاكساً الكبار و الصغار، يلقي الدعابات الذكية و يحبه كل أهل الحي، فأستمع أنا بتشوق واضح، مكتفياً بإلقاء التحية على الذين يلحظون وجودي قرب أسامة.

هذا الحي كان مدهشاً بالنسبة لي ملئٌ بالحكي و الضحك و الناس و المحبة، و رغم انطوائيتي البائنة و قلة حديثي إلا أن متعتي هناك كانت الأكبر، هذه المتعة وصلت اقصاها يوم تعرفي على الخالة ” نعمات”، الجارة في المنزل المقابل ، تلك السيدة الممتلئة الجسم  الخفيفة الخطوات ، عالية الصوت، مجلجلة الضحكات في وقار . ربما هي الوحيدة التي اقتحمتني من أهل الحي ، لتسألني يوماً عن إسمي و أهلي و قرابتي بأسامة و أين أدرس لتختم استجوابها الطريف بسؤالي عن صمتي داعية إياي للاندماج و “الفرفشة”  على حد قولها لتذهب في خطوات سريعة و تتركني لضحكات أسامة على ارتباكي و خجلي أمامها.

“هذه الخالة نعمات، أطيب نساء الحي و أشجعهن، تعمل قابلة في مستشفى الولادة، تسكن هي وإبنتها زيزي، زيزي  أجمل بنات الحي في نظري، هي مختلفة عن الجميع تكبرنا بحوالي عشر سنوات، تركت التعليم بعد المرحلة الثانوية و تعمل موظفة في مصنعٍ أو جهة حكومية لست متأكداً، نسيت الخالة نعمات و إبنتها يصنعن ” العرقي” و يبعنه لأهل الحي، هو أيضاً أجود “عرقي ” في المنطقة ..”

هالني حجم المعلومات التي ذكرها أسامة دون أن أساله، و زادني شوقاً و حماساً لرؤية زيزي و تذوق هذا العرقي المدهش كما يقول، تذوقه لأول مرةٍ.

و مع اطمئنان والدي لبقائي في منزل عمتي ، صار ذهابي للعباسية أمراً يومياً بعد المدرسة،  صرت أقابل الخالة نعمات بصورة دورية و معها فقط أكون قادراً  على الحكي ، أيضاً قابلت زيزي  لأجدها جميلة في هدوء ، لطيفة ، عيونها لامعة و واسعة ، وفيرة البسمات خطواتها بطيئة على عكس والدتها ، صرّن جزءاً من يومي، تدعوني الخالة نعمات لزيارتهن فأُلبي الدعوة برضا و سرور على غير العادة.

منزلهن أنيق وبسيط ، مرتب على الدوام بلا تكلف ، نجلس سوية في العريشة الخلفية المريحة ل النفس المملؤة بشتلات خجولات ، الأغاني لا تتوقف في المنزل، منذ الصباح تجد “ود الأمين” يصدح بالغناء ، تحب زيزي  ” ود الأمين” كثيراً ، في الحقيقة كانت تلك أول مرة أسمعه فيها، فعلى حسب طبيعة بيتنا تدخل الأغاني في دائرة التوافه المشبوهات .

مع تواجدي المتواصل معهن صرت أكثر انفتاحاً، أشعر بالسرور و الطمأنينة حيال وجودي في هذا العالم.

طيل تلك  الفترة، لا أتحدث معهن عن عملهن الآخر ” صنع العرقي و بيعه”، حتى أني لا أعرف متى يصنعنه ، فقط  صادفت أحد الزبائن من قبل يشتري و يغادر  على عجل من على الباب المفتوح باستحياء.

على حسب ما تربيت و نشأت يفترض أن أكوّن موقفاً سلبياً اتجاه ما يقمن به، لكني لم أستطع، مكتفياً بعدم التدخل لا أكثر .

– “أريدك ان تذهب إلى السوق، لتحضر لنا بعض الأشياء، جوافة، بلح و أشياء أخرى ، آسفة لكن والدتي ستتأخر في المستشفى ولا أستطيع أن أخرج من المنزل الآن” قالتها زيزي لي و أنا أجلس في الشارع قرب منزل عمتي أراقب المارة و أدندن بأغنيات ود الأمين التي حفظتها من فرط تكرار زيزي لها – قالتها بخجلٍ و قوةٍ و ثقة نادراً ما تكون مجموعة سوياً. كنت متأملاً جمالها ، رقتها و سطوتها و هي واقفة أمامي تطلب مني الذهاب إلى السوق، أنظر لها ببلاهة و إعجاب ظننته مستتراً. انطلقت مسرعاً إلى السوق، لا أخفيكم سراً أنها كانت أول مرة أذهب فيها وحدي لأبتاع شيئاً  كشاب مسؤول راشد، غمرني إحساسٌ عظيم بل مسؤولية كبيرة اتجاه هذه الأغراض رغم إني أعرف في ماذا يردنها، و رغم تحفظي الذي كنت أظنه حقيقياً إلا أن الطاقة التي كانت تملؤني وقتها لها القدرة على أن تطغى على كل ما سواها.

كنت أشعر دوماً بانتماء غير مبرر لهذا المنزل و إلفةٍ لم أشعر بها من قبل ، ذلك الشعور جعلني كثير الزيارات لهن يقابلنني  بحفاوة و محبة متجددة لا تتغير، كنت سعيداً  لأن لا أحد غيري يزورهن، فالمدهش أنهن يبعن العرقي ولكن لا يسمحن لأحد بالدخول. في مرة سألت الخالة نعمات عن سبب منعها لزبائنها من الدخول و الشرب هنا ،ُشعرتُ بلهجتي وقحةً مملؤة بإستفزاز واضح أخجلني فيما بعد ، لتأتي إجابتها هادئة بسيطة ” كما تعلم يا بني،  أنا و زيزي نعمل في مصالحٍ حكومية بها نقضي أغراض الناس ، وأن نفتح البيت للزوار ليشربوا و يستأنسوا هنا ، يعني أن نسهر حتى الصباح ، فنتغيب عن عملنا و تتعطل أغراض الناس ، تقصر البلاد في حقنا ، لكن نخاف نحن أن نقصر في حقها .. ”  لم أتوقع إجابة كهذه فكعادتها تدهشني الخالة نعمات ، فحتى الآن لم أجد من يحب عمله مثلها تقول لي: ” في كل يوم تأتي حياة جديدة بين يدّي ، في كل يوم أشهد قدوم ضيف جديد في هذا العالم ، أرى ردة الفعل الأولى نحو هذا العالم ، أشهد على فرح وأملٍ كبير و أسف و حزنٍ أحياناً، أشهد كل المشاعر التي تدور حول الوجود .”  كانت كتلة من الحكمة و اللطف و الدهاء أحياناً ثرثارة بانسياب ، على عكسها كانت زيزي قليلة الكلمات عميقة النظرات ، تفضحها عيناها اللامعتان على الدوام، حازمة و بها هيبة مثيرة ربما صنعها فارق السن بيننا .

على قدر حبي وإعجابي بهن ، كنت أرى أن على العالم أن يكون لطيفاً معهن ، ألا يقسو عليهن  ألا تريهن الأيام مكروهاً يصيبني  أنا بالضيق، لترد  الأيامُ عليّ بصفعة قوية لم أتوقعها لأشهد موقف فوق طاقة احتمالي و أجد شرطياً  يقود زيزي نحو ” البوكس” الواقف أمام منزلهم ، يقودها بعنف لا أتحمله أنا عليها و قهر لا أطيق رؤيته بين عينيها ، و جيرانٍ ينظرون بعجز قاتل ، لتصرخ الخالة نعمات بإنهيار أنها هي صاحبة المنزل و هي من تبيع العرقي ولا دخل لإبنتها ، لكن نداءاتها لم توقف الشرطي الذي بدا كأنه موجه لفعل هذا تحديداً ، لم أتمالك نفسي لأجدني ممسكاً بيد الشرطي محاولاً جرها من بين يديه و مهاجماً له بعنف و غبن و جرأة لم أعهدها من قبل ، ليتدخل شباب الحي في محاولة إبعادي عنه يتقدمهم أسامة في قلق واضح ، لكن إنتهى بي الأمر تحت قدمي الشرطي يوسعني ضرباً أمام الحشود ، لم أكن آبه سوى بنظرة الامتنان الاحتياج و الخوف التي رأيتها في عينيّ زيزي .. خففت كل الآلام!

– لم يوقف عبثية المشهد القاهر، سوى تدخل “صلاح” ابن عمتي الضابط، احتوى المشهد في دقائق ، لينفرد بالشرطي لثوانٍ متحدثاً  معه بنظرات كلها جبروت و سيطرة ،  و يذهب البوكسي دون زيزي ، في طابع درامي غريب ، ليبتهج أهل العباسية و تنهال  موالات الشكر على “صلاح”،رغم السخط البائن على بعضهم اذ كانو يرون ما حدث تطهيراً للحي من تلك الكبائر، لم أستغرب سوى لي نظرات زيزي لم تكن ممتنة بل خاوية خائفة تنظر في استياء نحو ” صلاح”.  صلاح هو ابن عمتي الاكبر و أخٌ لي أسامة، غريب الأطوار قاسي القلب رفيق  دائم لوالدي ، مما يجعل أعماله مريبة بالنسبة لي ، علاقتي به لا تعدو السلام، يراني مراهقاً غريب الأطوار يسبب الإزعاج لوالده.

 حملني شباب الحي نحو منزل عمتي للاطمئنان عليّ ، لتزجرني عمتي على فعلتي و تهوري ، على عكس أسامة الذي قال لي لم أظن أنك قد تصبح شجاعاً هكذا ذات يوم!

– نده عليّ صلاح ليتحدث إلىّ في دقائق على حد قوله، قائلاً: ” عيناك كلها أسئلة، لذا أوفر عليك عناء النطق، نعم ما حدث اليوم كان مدبراً، كان  درساً بسيطاً القصد منه زيزي حتى تعلم كم تحتاجني في حياتها، تدخلك لم يكن ضمن حساباتي لكن لا بأس المرة القادمة سيصل الأمر لوالدك و أنت أعلم بما يمكنه فعله، ابتعد عن زيزي ووالدتها، ابتعد عنهن تماماً …”

خرجت من منزلهم تملؤني دهشة و حيرة، ماذا يريد صلاح من زيزي، هل سأكون قادراً على حمايتها منه؟

لم أشعر بنفسي إلا و قدماي تقودانني نحو منزل الخالة نعمات ، شعرت بحوجتي أن أكون بقربهم الآن ، جلسنا في العريشة ورغم توتر الجو إلا أن الأغاني بصوت ” ود الأمين” كانت تزين المكان و تخفف من وطأة التوتر قليلاً..يا إلهي كانت ليلة مليئة  بالشجن ، حكت لنا الخالة نعمات الكثير من القصص الممزوجة بعاطفة أصيلة و فكاهة ممتعة ..حتى زيزي خرجت بقصص كثيرة حكت لي عن نفسها ، اشيائها الغبية الخاصة ، لحظاتها الحلوة.. عن أحلامها، قالت:” لطالما تمنيت أن ألتحق بكلية الحقوق،  إن أقسى ما يعانيه الإنسان هو الظلم ، كم تمنيت أن أكون سبب في رفع الظلم،  تقول أمي أن الحياة تبدأ بين يديها و أرى أن الحياة تبدأ عندما يولد العدل لا الإنسان ..لا أعلم ربما اذا درست القانون أستطيع في يومٍ أن أغير في قوانين هذه البلاد، أغير فيها بما يحفظ الكرامة و الحب بيننا، أغير بما يجعلني أشعر في كل صباح أن هذه البلاد تحبني كما أحبها…”

شعرت بضآلة طموحاتي و رؤيتي القاصرة للعالم من حولي و أنا أستمع لزيزي، قالت:” أتمنى أن أراك طبيباً ناجحاً كما تريد” و أدركت إني لم أفكر يوماً ماذا أريد و لما أريد ؟

في كل يوم تفتح زيزي و والدتها تساؤلاً وجودياً جديداً في ذهني. . كم أنا غنيٌ بهن!

“امتحاناتك النهائية على الأبواب، لابّد أن تلتزم نريد أن نراك ناجحاً متوفقاً، لذا أرجوك ألا تأتي لزيارة العباسية طيلة الأسبوع القادم”.

عندما اقتربنا من منتصف الليل ،هممت مودعاً لهن، جذبتني الخالة نعمات نحوها، لأطبع قبلة حانية على رأسها مودعة إياي بكم من الدعوات الطيبات..

رافقتني زيزي حتى الباب لتفاجئني قائلة: ” شكراً على ما فعلته اليوم، كنت أعظم رجلٍ…”  أحسست بنفسي طائراً و أنا أسمع ما تقوله لتكمل :” اهتم بدروسك جيداً، ولا تقلق سنكون بخير، نلتقي الأسبوع القادم”

قلت لها و عيناي تلمعان مثلها : ” سأفتقدك كثيراً و الخالة نعمات أيضاً.. ” هربت الكلمات من رأسي و لم أستطع أن أقول جملة مفيدة ، لكن أحسب زيزي فهمت..فهمت حبي و ولهي . .أماني  الذي لا أجده إلا بقربهن أو بقربها هي. . و أمانها الذي هو غايتي في هذه  الدنيا، ذاتي التي تكونت  بمجموع القيم و المشاعر التي اكتسبتها منهن . .لأجد نفسي أولد هنا من جديد .

ودعت زيزي و ذهبت طائراً محلقاً بفعل الحب و الفرح ألوح لها و تلوح لي بابتسامة حنونة غامضة مثلها، ابتسامة وعيون لامعة كعادتها لتكون آخر مرة آرى فيها زيزي!

انقضى أسبوع الامتحانات النهائية، أبليت فيه بلاءً حسناً لأعود و كلي شوق لزيزي و والدتها، وصلت هناك و الحماس يملؤني لأجد أمامي باباً موصداً بإحكام بجنزير معلق يبعث الوحشة في القلب و يربك الذهن و يفتح باب التساؤلات رغم مهمته في قفل الباب.

بحثت عن أسامة، علّي أجد إجابة على هول ما رأيت ليقول لي: ” تفاجأنا بهن قد رحلن صبيحة ليلة اعتداء الشرطي على زيزي، هكذا دون أن نفهم و دون وداع. ربما لم تتحمل نعمات مهانة ذلك اليوم الذي لم يحدث من قبل،…”

تركته و أنا أسمع ما يقول لكن عقلي يعجز عن فهمه. ليوقفني صوت عثمان “سيد الدكان” و يناولني ورقة في شكل جواب تركتها لي زيزي كما قال لأفتحها بلهفة علهما يخرجان منها …قالت:  ” لا أعلم كيف أصيغ الوداعات و أعلم كيف تهابها أنت ، لكن الله وحده يعلم كم تحملنا وكم عانينا حتى نبقى ولكن ما يحدث فوق طاقة احتمالي . لم تكن تلك المرة الأولى التي يتعدى عليّ صلاح فيها و لن تكون الأخيرة و لا أعلم  كيف سيقهرني أنا و أمي المرة القادمة، هو بلا شك يستمتع بإذلالي  يريد مني حباً لن يكون ملكه ما حييت ، شره و جبروته  قويٌ بما يكفي ليفتك بطاقة المحبة التي بيننا ولا نملكُ غيرها، أخاف عليك و علينا، أعذر ضعفي و قلة حيلتي و أنانيتي و اجعلنا أنا و أمي أولى مقتنياتك في صندوق ذكرياتك الخاوي كما تقول. . والله قد كان كل شيء حقيقياً ..كل شيء  أيها الرجل العظيم الصغير..”

نزلت دمعة وحيدةٌ أخيرةٌ غاضبةٌ مشتاقةٌ ..و قدماي تسيران بي بعيداً وبلا هدى، لتكون آخر مرةٍ أزور  فيها العباسية.

ثماني عشرة عام منذ ذكرى الرحيل ، في كل يوم كنت أتذكر بقلب طفل صغير لتُعَاقب الذكرى على يد كبرياء رجل كبير.، مضى من السنين ما يكفي لأكمل تعليمي الجامعي و أسافر إلى الخارج لمزيد من الدراسات في مجالي، بالمناسبة لم أدرس الطب لكن التحقت بكلية القانون ..لأكون مدافعاً عن حقوق الإنسان في هذه البلاد، قيل لي من قبل” تبدأ الحياة عندما يولد العدل”  .. يستغرب الجميع من نجاحي المهني و كم تغيرت شخصيتي لأكون فخوراً اليوم و أنا أداة لرفع الظلم عمن حولي، هذا النجاح يقابله فشل عظيم في حياتي العاطفية و إخفاق متتالٍ. .

اليوم دعوتني خطيبتي الجديدة التي أخترنا بعضنا بصورة تمثيلية مُحكمة إلى حفلة كمحاولة لخلق أرضية مشتركة  و لتعرفني على أصدقائها على حد قولها، حقيقة لم أكن مهتماً  حتى أني لم أسأل من هو مغني الحفل، فقط أريد أن أكمل الترتيبات التي تجعلها تظن أننا نعرف بعضنا بل و نحب بعضنا حتى نكمل المراسم  و أستريح من ضوضاء  أمي و أهلي في موضوع الزواج.

عندما وصلنا علمت أن المغني هو “ود الأمين” يا إلهي، سنين لم أسمع صوت هذا الرجل متعمداً و غير متعمدٍ.

و مع آخر أغنيات الحفل هجمت الكمنجات على قلبي بضراوة مكونة جيشاً قوياً، أصابته في مقتل، لتُخرِج أسيراً قديماً، تلك الدمعة الوحيدة نازلة على خدي دافئة، اليوم هي ليست غاضبة هي فقط حزينة. فبمرور السنوات تنطفئ براكين الغضب  مُخلفة حزناً دافئاً ورائها، حزناً لا نهابه، نعتاده و نصادقه.

نظرت خطيبتي لتلك الدمعة نظرة فخر و ربما أرادت أن تشاركها مع أصدقائها لتخبرهم عن خطيبها الحساس، دون أن تسأل نفسها أي ذكرى هي التي تجعل رجل مثلي يبكي بفعل الموسيقى!

– “الهوى البعث الليالي العامرة بزاد الشجون”

شعرت كأن لا أحد غيري في هذا المسرح، يعلم تلك الليالي، لا أحد غيري كان في العريشة،  و كأني أراها هنا الآن بكل تفاصيلها المريحة ..

يواصل هو غنائه و الكمنجات تهجم على قلبي، مطلقة سراح الذكريات و الدمعات . .

– “من بعد فرقتنا . .مين كان بفتكرك تعود ..مين كان بفتكرك تعود ؟؟ ”

و أنا مسجون العريشة ، لكني أرى زيزي .. أو أرى طيفها، هنا بين الحشود،  بعيد و ماثلٌ أمامي، حجمها أكبر بقليل، زادها التوب السوداني فتنةً، و كأن السنين غيرت في تلك الملامح قليلاً إلا العيون اللامعات..

– “كنت بحتاج إليك بشدة ..و انت عني بعيد..كنت بحتاج إليك بشدة.. ”

 يا إلهي إنها زيزي، هي نفسها، أمامي بكل البساطة في الدنيا بعد كل تلك السنوات، و كل ذلك البحث الذي يخجلني مع نفسي ويستنزف كرامتي، يبعدني الآن عنها القليل ، لكنها ليست وحدها يداها ممسكتان بصغارٍ يشبهونها ..يالا مكيدة السنوات .. انتفضتُ من مكاني غير مكترث بنظرات خطيبتي المتسائلة ، لأعود إلى زيزي، هو ليس ذهاباً هو عودةٌ لا محالة.

– “ده الهوى الجمبك عرفتو ..عاطفة مُلتهبة و جنووون”

جنون كوجودك رغم الغياب ، ذلك الوجود الذي ألهمني كل تلك السنوات، ذلك الوجود الذي غيّر فيّ ذات يوم و أشعرني بطعم الحياة، الحياة التي أحبها لأني فيها أحقق أحلامك من خلالي .. جنون كالذي يجعلني مندفعاً نحوك الآن ناسياً كل شيء. لا مكترثاً باختياراتي الآنية، ضارباً عرض الحائط باختياراتك ، مندفعاً نحوك و هؤلاء الصغار حولك و ربما والدهم خلفهم . .افتقدتنا يا زيزي !

” وين حنهرب منو وين. .وين حنهرب منو ويييين “

 

 

* قاصة من السودان

%d مدونون معجبون بهذه: