الرجل الذي لم يكن هناك*

بشكل أو بآخر ، يداهمنا ذلك الشعور بأننا في هذه اللحظة لسنا هناك ، تفارقنا عين الرضا التي نحاول تسليطها دوماً على حياتنا ، هل صفحات حياتي مليئة دوماً بالأحداث ، أم أنها كألبوم صور صنعته طفلة صغيرة على كراسة أبيها ذات الألف صفحة ، لا يهمها إن ألصقت الصورة الثانية على الصفحة المئة ، فهي تملك العمر كلّه وليست مصابة بهلع الحياة ، هلع يوم الإمتحان .

“إد كرين” الحلّاق الثاني في صالون يملكه آخر ، ذو هيئة لا تعلق في الذاكرة إلا بمقدار ” أين قابلت هذا الرجل ، اللعنة لا استطيع أن اتذكر” ، يدخّن سيجارته على الدوام ، يحلق للزبائن ويذهب إلى بيته ، لا ينطق في اليوم سوى كلمات قليلة ضرورية يدفع بها الكلمات عنه ، لا ينخرط في أحاديث الحلّاقين المعتادة التي تتناول ما تعرفون من مواضيع ، فكلكم قمتم بحلاقة رؤوسكم . حتى تواصله مع زوجته “التي تخونه مع مديرها في العمل ، لم يتعدّ بضع كلمات وتوقف دام سنين عن الجنس ، وعندما علم بأمر الخيانة بحدس الزوج لم يفعل شيئاً على الأقل كان قبل أن تمدّ له الحياة أصبعها الفخّ ، وإغراءها السّام لرجل نال أصعب شيء يمكننا أن نناله ، راحة البال ، الموت الجميل ، تجدون لها العذر في ممارسة الجنس مع آخر طالما أنه توقف عن فعل ذلك معها ، ماذا إن توقفنا عن الحب بعد عام ، أيحق لنا أن نحب آخرين ؟.

كرين الشبح الذي لا يلحظه أحد في الشارع ، فهو ليس فاتنة تمدّ ردفها اللدن للمارة وتصفع أياديهم وأعينهم الممدودة للمسه ، ولا هو مراهق يصرخ بصوته المبرقع (لاهو خشن ولا هو ناعم) أيها العالم لقد نما شعر عانتي وصرت طويلاً ، أيها العالم اكتسبت عادة جديدة : عادتي السرّية ، ولا هو صاحب البدلة الجميلة البانكر الذي سفلت الوول استريت يلوّح بشنطة يده التي لا تحمل سوى المال كما نظنّ دوماً ، بل هو غطاء قلم جاف منزوي قرب الحائط ، أو أثر خفيف لبصاق إمرأة أضناها الحب على الرصيف ، البصاق الذي على الرصيف ، أو وردة في الثلج ، كنيسة مهجورة ، كما قال محمود درويش ، إنّه المنسي بإرادته .

مدّت له الحياة إصبعها الوسطى على هيئة “سأنقذك” ، مشروع للغسيل الجاف قدمه إليه أحدهم ، ألم يذكركم بمشاريع التمويل الأصغر التي لا يستفيد منها سوى البنك وهو يمدّ إصبعه الوسطى للخريجين الطموحين الطموعين ، ولأن الحياة لها نظامها الصارم ، نظام المقايضات ، قدّم راحة بالك وقلبك ونومك لتحظى بلحظات حبّ سعيدة ، تخلّى عن أصدقائك لتنجح في العمل ، توقف عن لعب الكرة معهم لتنجح في الامتحان ، اهجري من تحبّين لتحظي بصاحب المال ، تذكّر أن لديه ضحية جاهزة يمكنه ابتزازها ، هنا اختطفت الحياة كرين الشبح وسلبت راحة باله التي لم تسلبها خيانة زوجته له ، مديرها في العمل لديه مال وهو خان زوجتي سأبتزه وآخذ منه العشرة آلاف دولار ، لن أقوم بحكاية أحداث الفيلم .

سيدفع الرجل المال ويشتبه في شريك كرين الذي عرض المشروع عليه ، ويضربه وينزع اعترافه ، سيستدعي الرجل “كرين” بعد أن عرفه ، سيحاول قتله ولكن “كرين” سيسدد له طعنة قاتلة ، حسناً ألم تتذوقوا لذة الحياة بعد ؟ ، ستتهم زوجة كرين بذلك ، ستشنق نفسه عند المرافعة الأخيرة ، فهي علمت أن زوجها علم بخيانتها وأنه من قتل الرجل .

كرين تخلّص من الرجل ، وزوجته الخائنة ومعه عشرة ألف دولار ليبدأ حياة جديدة ، حياة جديدة .. جملة مضحكة صحيح ؟ ، حتى الطفل ليس له حياة جديدة ، حتى الكون لم يبدأ حياة جديدة ، لكن كرين سيكتشف أن الرجل شريكه في المشروع هرب ومعه المال وسيرجع حلاقاً أكثر بؤساً ، لماذا ؟ ، لأن الحياة دوماً هي في مكان آخر كما قال كونديرا ، الحياة دوماً هناك ، وكرين هو الرجل الذي لم يكن هناك ، لا أحد هناك ، لأنه الآن أكثر وعياً بتفاهة مهنته في سلّم الحياة / المجتمع التراتبي ، أن الأدب بشعاره الأبدي كان ممكناً أن تكون ، سيجلب البؤس إليه بعد أن كان مرتاح البال ، هرب الرجل كما ظنّ كرين ، ولم يعلم أنه سيتّهم بقتله ، الرجل الذي وجد غارقاً في وعليه آثار ضرب ، لن ينكر وسيتم إعدامه .

وسط هذا كلّه ، شاهد كرين الحياة تومض كشهاب يدمع على خدّ سماء صافية ، شاهده وهو يستمع كل يوم إلى سكارليت جوهانسون وهي تعزف البيانو ، كزخّات المطر في حياته الصيفية اللاهبة ، حاول أن يمسك بيدها ويذهبان للبحث عن الحياة ، أراد للنبتة الجميلة المزهرة خارج البستان ، أراد انتزاعها وادخالها خلسة مع صف الأزهار المرصوصة بعناية التوابيت ، إلى مدرس موسيقي عالمي ، ماذا حدث ؟ ، قال إنها فتاة لطيفة ، سمعنا هذه الجملة من قبل ؟ ، إنت زول طيب وقلبك أبيض لكن .. ، زول ود ناس ومحترم لكن زي أخوي ، قال إنها تلعب بلطف مع حبات البيانو ، على العزف أن يأتي قوياً من القلب ، إنها لا تصلح سوى للطباعة ، بالتأكيد تعزف سكارليت بلطف لأن أباها يمنعها التدخين وتوقفت عن ذلك فوراً ، هذا ما يربيه فينا الخوف ، وستقرر بعد ذلك أن تصبح طبيبة بيطرية .

كلنا الرجل الذي لم يكن هناك ، وكلنا نريد أن نكون الرجل الذي لم يكن هناك

إن كان هنالك شيء تبقّى لكرين من حياته التي قبل الحياة ، هو قوله في الأخير : أنه ليس نادم .

لا يوجد ندم أكثر من ذلك.

 

 

* كاتب من السودان

(The man who wasn’t there (Movie*

%d مدونون معجبون بهذه: