الجنّة

الجدة كانت أكثر المشككين في رواية حفيدتها ذات العشرة أعوام، التي تقول أن أشهر لصوص المدينة دخل الجنة، وذلك حينما طُلب منها أن تصف النعيم، بعد عودتها من هناك.

حدث كل ذلك حينما ارتعش جسد الصغيرة في ذلك الصباح الماطر من أيام أغسطس، وفارق روحها الحياة، رفض الأب دفن وحيدته، وظل يحرسها وهي مسجاة أمامه. كان يشحب وجهه ويزوي بريق عينيه كلما ذرف الدموع وهي بلا حراك في ذلك الوضع، صبيحة اليوم الثالث انتبه البيت على صراخ الطفلة فهرعوا ليجدوها قد افاقت بينما أبوها يرقد على جانبه الأيمن كمن قرر أن يستقبل الموت بسلام، فارقت روحه الحياه فدفنوه، لكنهم لم يجدوا تفسيرًا لهاتين الحادثتين، فانهال على الصغيرة فيض الأسئلة.

سألوها أولًا أين كنتِ؟

لم يكونوا يتوقعوا منها اجابة، لكن الكلمات خرجت منها بكل ثقة:

– كنت في الجنة

– كيف حدث ذلك؟

اشارت إلى قفص يتدلى من سقف شرفة منزلهم المطلة على الحديقة بداخله عصفور صغير بريش ملون، ذهبت بدلًا عن هذا الطائر.

سألت الجدة:

– وهل تدخل الحيوانات الجنة؟

اومأت الطفلة براسها:

– نعم الطيور والكلاب والقطط وجميع الحيوانات، حتى أن جارتهم قاطعتها سائلة إن كانت قد رأت هناك دجاجتها التي تضع في اليوم بيضتين، فقد اختفت من منذ شهر دون أثر. هزت الطفلة راسها بالسلب.

وأبوك، هل رايته هناك؟ سألها إمام المسجد الذي صلى بالناس هذا الصباح على جثمان الأب.

– نعم قابلته، فقد عدت خصيصًا كي أمنحه مكاني هناك. واردفت هل تذكرون جارنا الذي كنا نناديه (اللص) هو أيضًا كان هناك، لقد ترافقنا وكان يمسك بيدي.

هتفت الجدة بجزع:

– في الجنة؟

ردت الصغيرة بالإيجاب وصارت تحكي، كانت القصة متماسكة بتفاصيل كثيفة عدا عن طابعها الخيالي.

قالت: أول الأمر وجدت نفسي في مكان مظلم قبل أن تغمر الأضواء كل أرجاء المكان، كنت في غابة والأضواء تتدلى من الأشجار بدلًا عن الثمار، تبلغ قمة توهجها قبل أن تنطفئ لتسقط وهي ثمار كاملة النضوج، لم أكن جائعة لذلك لم اتذوق طعمها، وبعد أن سرت وحدي مسافة أبعد مرتين من مسافة بيتنا إلى المدرسة، قابلته، كان يحمل كيسًا فارغًا، قال أنه وزع كل ما فيه من نقود على اشخاص يحتاجونها، بعد أن قام بسرقته من البنك، لم يكن يتألم، لكن بقع الدم كانت تملأ قميصه، أمسكني من يدي وقال لي أن وجهتنا وأحدة وهو يعرف إلى أين علينا أن نذهب فمضيت معه، مررنا بالجحيم، الذي كان أكثر ازدحامًا من الجنة، كانوا صفوفًا وكلهم مصفدون بسلاسل ثقيلة، في المقدمة كان هناك أشخاص بلباس عسكري مليء بالألوان والقطع المعدنية اللامعة، قيل أنهم الرؤساء الذي جاءوا إلى السلطة بواسطة الانقلابات العسكرية، يتبعهم رجال بثياب مدنية هم الذين اقنعوهم بعمل الانقلابات، يليهم القتلة المأجورون والمرتزقة والذين خانوا اوطانهم والمرابون والمصرفيون والتجار الجشعون، كانوا جميعهم يتم جرهم بالسلاسل إلى الجحيم بعد أن عجزت سيقانهم عن حملهم، وهم يولولون تمامًا كجاراتنا هذا الصباح وهن يبكين أبي، في الوسط كان هناك أناس مطأطئي الرؤوس قال اللص أنهم صحفيون ورجال دين كانوا يبررون للحاكم تصرفاته، يتبعهم اشخاص أخرون من الأعوان والحاشية، وفي الأخير كانت هناك الجيوش التي قتلت شعوبها في الحروب الأهلية ورجال الشرطة المتنمرون، القليل منهم من النساء، لكن كن أغلبهن زوجات لرؤساء، أما بقيتهن فكن يحملن حقائب كتلك التي تحملها الخاتنات، بينما أكثرهم كانوا رجالًا كبارًا في السن. وكان هناك شحاذون لكنهم لم يكونوا في النار، فقط جلسوا بالخارج يمدون أيديهم طالبين بعض الطعام ممن تلقوا عقابهم وخرجوا للتو من الجحيم، قيل أن هؤلاء الشحاذون هم الذين كانوا في الحياة يشيعون بين الناس مناقب الحكام المستبدين دون أن يذكروا مساوئهم.

ثم التفتت الصغيرة إلى الحائط وعينيها على صورة كانت قد وضعت هناك بعناية على إطار، قائلة: هو كان في مقدمتهم.

كانت تشير إلى صورة الحاكم ببذته العسكرية المزينة بكل الأوسمة والنياشين، حينها خرجت الجدة مسرعة دون أن يعرف أحدًا إلى أين تذهب.

لكن ذلك لم يمنع الصغيرة من مواصلة سرد تفاصيل رحلتها التي استغرقت يومًا كاملًا، حتى دخلت الجنة هي واللص، وقضت يومان فقط لتخرج وتمنح مكانها لأبيها، بعد أن أخبرها الحراس أنه سيظل عند بأب الجنة دون أن تطأها قدمه بسبب حبه لصاحب البذة العسكرية المعلقة صورته في دارهم، فعرضت أن يحل مكانها فوافق الحراس فورًا، وحينما أكملت الطفلة قصتها كانت الجدة قد عادت ومعها جارتهم بصحبة ابنتها، طلبت الجدة من جميع الرجال الخروج من الغرفة، كانت الجارة وابنتها تعرفان تمامًا ماذا ستفعلان، شرعتا سريعًا في إعداد المكان، بينما تظاهرت الجدة بالنظر من خلال الشرفة إلى الطائر الجالس بهدوء في قفصه، استغرقها مشهده بعد أن صار يتحرك في القفص بتوتر ويضرب بجناحيه الأسلاك المعدنية التي تسيجه، منحت الجدة الطائر كل انتباهها، بعد أن تحولت رفرفات أجنحته الصغيرة إلى ارتعاشات متواصلة، ولكن الجدة التي لم تصدق قصة حفيدتها مع الطائر ودخول اللص الجنة، ندت منها شهقة وهي تجول ببصرها بين جثة الطائر الذي فارق الحياة، وجسد الصغيرة الهامد وقد استكان ليد الجارة التي كانت تعمل خاتنة وهي تخيط الجرح بعد أن شدت ارجل الطفلة بأشرطة ملونة إلى طرفي السرير، بينما ابنتها تمسك جسد الصغيرة من جزئه العلوي بإحكام.

*صحفي وكاتب من السودان