أخبار

هاشم يوسف: أنا هنا، ألا ترونني؟

هاشم يوسف 2
في هذه المقابلة يستنطق المغيرة حسين حربية الشاعر هاشم يوسف،  الشهير بـ(هاشم الرطل) حول قضايا الشعر والثقافة والمؤسسة وتعدد اتجاهات الكتابة في الآونة الأخيرة وقضايا النشر، ويستنطق تجربته من خلال مجموعته (جدول الوصايا) الصادرة أخيراً عن منشورات كافكا “القاهرة”. وينتقد الرطل هشاشة المؤسسات الثقافية في السودان معتبراً أن اهتمامها السياسي أكبر بكثير من الثقافي، ويقول عن ذلك: “يشبه الأمر الاهتمام بشؤون الأسلحة على حساب مقاعد مدارس الأطفال”. وعن مشكلة النشر يقول: “أتمنى أن يواكب الناشرون هذا الإنتاج، وتُنشر الأعمال المخبّأة، وأن تختفي ظاهرة الكتب الضائعة للأبد”. وعن جدول الوصايا يقول: “ستهرق بحارٌ من الحبر، وسيبقى دائماً طفلٌ صغيرٌ في المجال في كل الأوقات، رافعاً يده قائلاً: أنا هنا ألا ترونني، ألن تكتبوا عني؟”.

* لم يعد الشعر يفهم ذاته، كالذي يعوي وحيداً في متاهة غامضة وترتدُّ إليه صرخته أشد بلبلة و حيرة. ماذا يريد أن يقول الشعر؟ ما هي نواياه؟
التعقيد حاضر يا مغيرة في هذه الحياة التي نحياها، أو الحياة التي نتجول حولها بالأحرى. (أصبح الواحد منا أعداداً لا نهائية من البشر والجراح والأخيلة). وجودنا في سياقاتها كلها يمثل مستحيلاً كامل الدسم، وهو (أي الشعر) يحاول التقاط هذه المجرة من المستحيلات، يريد ذلك بشدة؛ ولكن هل يعود له صوته بالإجابة، أم يبقى معلَّقاً وحده هناك دون أن يجد إجابة يعود بها إلينا؟

*تخلّى الشعر عن نبله القديم، عن كبريائه ومخمليته.. أخذ يغامر بالتقاط المجاز في اليومي والعابر. إلى أين يريد أن يذهب الشعر؟
أظنه نال زاداً كاملاً من الوحشية والعدوانية. كان الشعر يبدو كأنه سجين دفتي الكتاب، لا تراه بالمجاهر في ما حولك، مهما دقّقت في النظر إليه، كان ملكياً ومدللاً أكثر من الملك نفسه. أما الآن فهو في تجوال دائمٍ بين القفار والآلام، يريد خلاصتها ويعتبرها مقدساً يجب إدراك ما يمكن إدراكه منها قبل أن يُفلت منه للأبد. عموماً أخشى عليه أن يفتقد أيام البلاط بشدة.

* كل واقع مأساوي، مسدود الأفق كالواقع السوداني لا ينتج سوى نص سوداوي. كيف يكتب الشاعر نصاً يخترق الزمن؟
مش عليك الله!
هذا أمر محيّر بطبيعة الحال. لكن على أي حال، وعلى سبيل التفاؤل؛ هذه الحواجز الصعبة لن تعجز ديناميت الخيال المتوافر في الأنحاء. راقبتُ المشهد الكتابي الدائرة رحاه الآن، أجد نفسي في غاية السعادة من هذه الاختراقات المُهمّة التي تحدث هنا وهناك. وأقول دائماً: اكتبوا، واتركوا ما كتبتم يتسلق الحوائط التي يريد، دعوا هذه الشجرة تحتل الأرض، لا تقفوا بينها وبين فريستها.

 *أين هي نصوص ما قبل جدول الوصايا (كتابك الأول)؟ ماذا حدث معها؟ كيف للشاعر أن يئد نصوصه الطفلة؟
هناك نصوص استحقت الوصول، لكن ربما كانت سيئة الحظ. ربما كان المؤلف عكر المزاج في لحظةٍ ما فاستبعدها. هناك نصوص لم أحبها فتركتها.. وهناك نصوص سرقها لص الإهمال، ضاعت بسببي، ولئلا أحرج نفسي أكثر من ذلك، أعزّيها بأن أقول لها: أحسنتِ بإضاعة هذا الركام. هناك أيضاً بعض النصوص في جدول الوصايا كادت تفقد مقاعدها في الكتاب لولا إصرار أحد الأصدقاء اللئام، وأشكره بشدة على اهتمامه بصدور كتابي. على أي حال؛ لا أظن أن الشاعر يئد نصوصه، لربما هو يتغذّى على النصوص التي يظنها ركيكة، لتشرق في مكانٍ آخر منه. أقول هذا رغم أني أشك في أن الكاتب قد يتغذى ويقوم بالقضم من بعض النصوص التي يحب أيضاً.

*جدول الوصايا دفق منساب ومستمر من الاحتجاج الناعم والهامس، احتجاج الذات الناصة على النص وعلى الذات والعالم: يا تفاصيلَ المكان/ ارعِفي بياضَك على ملابسي الحجريّة/ ازدَاني ولطِّخي ما استطعتِ/ لا تُبقي ولا تَذَري/ وذَري).. أسألك: ما الذي سكت عنه الكتاب؟
بعد كل هذا الوقت، من مرور جدول الوصايا تحت جسري، كما تقول المعارضة السياسية؛ أجد نفسي مرتاحاً لأقول إن هناك الكثير مما لم يستطع قوله، باعتبار أنه هناك في زمن ما، ونحن هنا في زمنٍ ما آخر أيضاً. وأقول إنه لربما لم يسكت عن ما أراد أن يقول، ربما كان معنياً ببعض الأسئلة، وأسئلة أخرى أتت عندي بعد ميلاده لم تكن في باله. نعتذر له عن بخلنا عليه بما لدينا. عموماً ستقول الكتب الكثير، ستهرق بحارٌ من الحبر، وسيبقى دائماً طفلٌ صغيرٌ في المجال في كل الأوقات، رافعاً يده قائلاً: أنا هنا ألا ترونني، ألن تكتبوا عني؟

*اتسعت المدونة الشعرية السودانية وتجذرت أسئلتها وتعدد اتجاهاتها في الكتابة أكثر من أيِّ وقت مضى. برأيك هل هذا زمن الشعر في السودان؟
نعم، وأرى أن الأصناف الكتابية كلها في حالة غليان شديد، محقونة بالجموح.. فقط أتمنى أن يواكب الناشرون هذا الإنتاج، وتُنشر الأعمال المخبّأة، وأن تختفي ظاهرة الكتب الضائعة للأبد.

*التركيب الشعري في جدول الوصايا جاء بسيطاً وغير مغلف بالكلفة والغموض رغم احتشاد الجملة الشعرية وطولها. لماذا البساطة في واقّع معقّد؟
لديّ حدسٌ ما (تصوّر يا مغيرة!).. الواقع غير معقّد هو بسيط جداً، فقط ركاكته معدة بدقة شديدة. أحاول التوفيق بين كل المعاتيه الذين لدي، يصدف أن تكون هناك بساطة، وقد يكون هناك تعقيد ما. ما يهمني، أننا نضع الشراك الشفافة في طريق الكلمات، نهتك براءاتها، قد تخنقنا يوماً ما في منامنا، فلنكن مهيَّأين لذلك، ولتكن هي رحيمةً بنا.

*كيف تنظر لعملية التلقي؟ كيف تتوقع أن يستقبل الناس جدول الوصايا؟
ليست لديّ فكرة عن الأمر، هذا شأنهم، أتمنى لهم كوابيس سعيدة، أنا كقارئ لديّ أحاسيس متباينة تجاهه، أتمنى أن لا يزعجني أمره، وأن أنتقل للصفحة التي تليه.

* هل ذلك يعني أنك تطلق صرختك باتجاه الداخل؟
نعم، لكن ما يمكنك أن تطلق عليه كلمة الداخل، ليس مكاناً مغلقاً أو مصمتاً، هو مفتوح، منتهكٌ ومرحّبٌ بكل ما هو هناك في الخارج، به طبقات من تفاصيل وأغبرة، وكل أنواع الذبذبات خالدة فيه ومقيمة. أنا لا أطلق كلماتي باتجاه الداخل، بل أحاول أن أصون، وأن أستمتع بوحشتي وعزلتي. دائماً ما يكون نزوعك لأن تفرد نفسك، تحكها من الشوائب، وما ليس منك، ولكنك حين تعود لتُحصي الجراح هناك، تجد كل شيءٍ كما كان، تجد نفسك امتصصت مقادير معتبرة من تفاصيل العالم. على أيِّ حال، هذا التبادل والتسكع بين الداخل والخارج، أحياناً له قشعريراته، وهناك لذَّاتٌ ومعها بعض الخدوش تأتي إلينا. عموماً كله جميل، وكله يفيد ولا يقتل.

* الشاعر مارقٌ كبير، هامشيٌ يظل باقياً في الأقاصي، ضد كل تكلس؛ تكلس اللغة والحياة، وبالضرورة ضد تكلس المركز. لماذا هذا خيار الشاعر أبداً؟
ما من خيار آخر لك يا مغيرة، أنت دائماً تجد نفسك في هذا المأزق، الذي بكل صعابه وأخطاره، هو المكان الوحيد الذي يروقك، هل تستطيع النظر من غير هذه الزوايا إلى الاختلاجات والهذيانات التي تتقمصك؟ أتعرف طريقة أخرى للتسكع في دمك؟ هذا الشاعر هو الكائن المتوحش الغارق بأنيابه في قلب هذه الغابة ولا فكاك له منها أبداً، وهي لن تطلق سراحه، لأنها مستمتعة بخطورته ومحاولات صيده المستمرة للحظات الضائعة.

* مع ظهور قصيدة النثر كَثُرَ الشعراء وقلَّ الشِّعر. ما هي إشكالات هذه القصيدة؟
ما من إشكالات في القصيدة، ولا توجد مشكلة في هذا الحجّ الضخم نحو هذا الشكل المُسمَّى قصيدة النثر. هناك جبال من الكتابة، هذا أمر حسن جداً. وطالما أن هذا الشكل من التعبير واسع الأرجاء، فمن الطبيعي أن تذهب إليه الأعصاب كلها، وتتوه في دهاليزه أيّما توهان (ولا بد لنا من توقع عدد من الضحايا دائماً). عموماً القصيدة تحتاج أن تُرفد بكل ما يستطيعه المرء من قواه وأهواله. ما من شكل نهائي، وليست للطريق نهاية أو بداية، فلنغنِّ لهذه الأمسيات اللطيفة، ولنقدم خيرة مشروباتنا لها، ولنقدم لها قرابين طازجة، ولنرجو أن يكون هذا التراكم والزحام الأدبي نهراً يسقي ظمأها الذي لن ينتهي.

* حبر مهدر كثير ولا شيء، على ماذا تراهن الكتابة؟
ما إن يخرج الحبر من بيته فسيحدث الهدر، وكذا نحن مهدرون، ضائعون ومضيّعون مثله، لا بد من الطريق، لكنني لا أرجوه معبّداً ومبتذلاً بالمشاة ضعاف النفوس، نريده شائكاً وملتوياً، يزداد الْتِذَاذُك به مع كل خطوةٍ تمشيها عليه. من جهتي أظنني أعمى، ولا أدري أين أنا، ولا أدري أين نسيتُ قدمي في هذا الدرب، تراهن الكتابة على لا تكسّبها وعلى لا مجاراتها لحشائش الطرقات البائسة، على تحديها، على قدرتها على الكر والفر، تراهن على استحالة الكتابة نفسها، نعم تراهن على الاستحالة.

* غياب المؤسسات الثقافية وتغييبها أفضى لخلق تكوينات منعزلة وشلليات متباعدة كيف يضر هذا بالمشهد الثقافي؟ كيف يمكن تجاوز ذلك؟
في الحقيقة لا أعلم شيئاً عن جدوى المؤسسات الثقافية أو عدمه، لكن أعتقد بوجود بعض المؤسسات الثقافية في يومنا هذا، وأعتقد أنها غاية في الركاكة واللاجدوى، وتسبب الكثير من الإزعاج العام غير المنتج وغير الخلاق. أخشى من أن تكثر مؤسسات ثقافية مشابهة لها فتكثر الركاكة، وتسمك السقوف فوق رؤوسنا، وتقترب منا. في هذا الحال أرى أن يقل عدد المؤسسات الثقافية قدر المستطاع. هناك مؤسسات ثقافية اهتمامها السياسي أكبر بكثير من الثقافي (يشبه الأمر الاهتمام بشؤون الأسلحة على حساب مقاعد مدارس الأطفال. هذا طبعاً في الجانب الثقافي الآخر المقابل لتطلعات شعب هذه الرقعة الحزينة من الجغرافيا)، وهي مؤسسات طليعية يحكمها ثلة من محدودي الأفق. هذا الواقع أفرز ما سبق أن قلتُه أنا، وما سبق أن سألت عنه من تشظٍّ وتشرذم، وما هو آت لا محالة، فلنرجُ أن تقل الأضرار. هناك أضرار داخل الكتابة، في الطريق إلى المتلقِّي، جوار عكاز السلطة المدبب الخشن، وفي كل الجوارات الأخرى، نحتاج للحصافة، نحتاج لأفعال نقدية زكيّة، ونحتاج إلى كتابة تكابد العالم وتتحلّى بالإخلاص والمثابرة. لم نكتب بعد، إذاً فلنفعل ذلك لأننا نحتاجه بشدة.

*ماذا يقترح نصك الشعري؟
إنه يقترح كل شيء، ما تقترحه أنت وما يقترحه النشادر أو الرومي، أو الجميع ببساطة، إنه (أي الشعر) يقترح نظم ورتق اللانظام المنظّم حولنا، كما حدد الشاعر المهم جدَّاً خالد حسن عثمان ليلة البارحة، إنه نصٌّ واحدٌ فينا كلنا، ولكن مقاعده وأوضاعه في حفلاتنا الداخلية تختلف. أرى أنني من اتجاهي، أسير خلف خيطٍ غير مرئي، تائهاً في رحلتي، ولا أدري إن كنتُ سأعثر عليه، كما لا أدري كنهه، ولا أدري إن كان هذا الخيط الشاحب فعلاً أمراً مُهمَّاً يستحق اهتمامنا أنا والشعر .

 

* شاعر وقاص وروائي من السودان