أخبار

غرفةٌ سيئة التهوية

حاتم الشبلي

هيَّا، خذ كأسكْ

ما هذا، املأ جيداً، كأسي الأولى يجب أن تكون عامرة، نصف الكوب، أحس بأن جوفي بحيرة رملية جفت منذ زمن.

ويملأ الكأس لأكثر من النصف ثم يكتحها دفعة واحدة مما يجعل الرجل الأشيب ينظر إليه باستغراب، وبعد قليل يرسلُ تعليقاً: (أراك تشرب بطريقة إسلامية، آآآآآ، لقد نسيت، فأنت من ذلك الجيل الذي تعرض لمشروعات أسلمة السلوك اليومي).

(أسلمة السلوك! استغفر يا رجل، ما هذا الذي تقوله؟!)، يرفع الرجل القصير صاحب المسبحة صوته. وبعد قليل، يقول الرجل الأشيب: (قصدتُ أن أقول إنه يشرب خمر الدنيا تحت تأثير عبارات مثل أنهار من خمر وما شابه، هو هكذا ماذا أفعل معه، وبهذه الطريقة سوف يقضي على هذه الزجاجة بعد قليل، ويتركني وحيداً في هذه الليلة الطويلة، ألا ترى ماذا يفعل؟! إنه يتصرف وكأنه قد نَذَر نفسه للاستحواذ على أكبر حصة من كحول العالم).

يُرخِي الشاب الطويل النحيل جسده بهدوء، يشعلُ سيجارة من النوع الرخيص، ثم يقول: (بإمكاني أن أشتري واحدة، لا تنزعج، ستنالُ ما يكفيك).

(لا تهتم يا صديقي، كنتُ أمزح فقط).

الرجلُ القصير صاحب المِسبحة يجلس بجوارهما في صَمتٍ، ويتصفحُ كتاباً وجده على سرير الرجل الأشيب، ينظرُ إليه الشاب الطويل، يسأله: (ماذا تقرأ؟).

(كتابٌ غريب، يتحدث عن أشياءٍ غريبة لم أفهمها بَعد).

يسندُ الرجل الأشيب ظهره على الكرسي الخشبي، ويشبك أصابعه مع بعضها، يغمض عينيه من فترة لأخرى، وكأنه يغوص داخل نفسه في ما يشبه وضعية التأمل التجاوزي.

(لا تُفكر كثيراً، لقد قررنا وانتهى الأمر، لا مجال للتراجع، للخوف، للتردد، ولا حتى للذكريات، الرصاصة حينما تنطلق سوف لن تعود ثانيةً). تخرج كلماته بطريقة قطعية وواثقة، يميل على جانبه، يرشف كأساً أخرى ثم يصب الكأس من جديد ويقدمها له. الرجلُ الأشيب يعدل من وضعه، ينحني ظهره إلى الأمام ويرفعُ رأسه ليكون في مواجهته تماماً، ثم يقول: (فيمَ العجلة يا صديقي؟ دع الخمر تَسرِي بهدوء، نحنُ لسنا في سباق خيول، اتركها تمشي كما تشاء وتَقْدِلُ في دورتنا الدموية ببطء، بثقة، كعروس تَرقصُ على إيقاع الجراري). ثمَّ ينظرُ إلى السقف ذي البلاطات البيضاء المربعة، يشعلُ سيجارةً ثم يضيف: (لو تعرف، هذا هو الفرق بين جيلكم وجيلنا، أنتم عجولون دائماً، تمرون على سطح العالم بخفة طائرٍ صغير، دون أن تفهموا أو تعقلوا شيئاً، أنتم جيل مهووس بالأرقام والحدود القياسية والسرعة وتلك الهياجات المجانية التافهة، وفي آخر الأمر لن تحصلوا على شيء، وستدركون أن القطار الذي تحاكونه لا ينوي على شيء سوى التنقل عبر المحطات والأرصفة اللامتناهية، وأن الوقت الذي مضت فيه أعماركم ليس سوى ثوان فارغة، لم تُسْتَعمل جيداً، كم أنتم بعيدون، بعيدون جداً عن إدراك جماليات الأشياء وفن التمتع بالوقت!).

ينظرُ إليه الشاب الطويل ساخراً ثم يقول: (فلنشربُ نخب جيل (مَنْ غَيرُنا)، جيل بَارات أتينيه ومراقص سان جيمس، وليالي شارع النيل، جيل لاءات الخرطوم الثلاث، وفواتير السد العالي، الجيل المُثقف الذي نذر نفسه لنشر العروبة والإسلام في أقاليم الجنوب البعيدة، أنتم جيل مثالي، لم تشهده البلاد حتى في عهد بعنخي وتهارقا).

يضحك الرجل الأشيب، يضع مؤخرة السيجارة على المِنْفَضة، ويقول: (نحن قمنا بواجبنا كما يكون، في عهدنا، أسقطنا حكماً عسكرياً، واحتفلنا بوصول أول امرأة لمقاعد البرلمان، و….) يقاطعه الشاب الطويل: (ألا تخجل من نفسك؟ تحتفل بوصول امرأة سودانية للبرلمان، وتسمي ذلك إنجازاً!).

(في وقتها، كانت حادثة استثنائية)، يقول الرجلُ الأشيب.

ولكن الشاب الطويل يصرخُ في وجههِ بانفعال: (قبل أكثر من ألفي عام، كانت الكنداكات يحكمن البلاد، وها أنت تفرح بامرأة واحدة تجلسُ في برلمان مترَهل فاقد الإرادة، وتسمي ذلك إنجازاً! يا للبؤس!).

ثم يمد يده ويلتقط الكأس التي ظلت تنتظرُ على المنضدة وهو يقول: (لا تترك الكأس وقتاً طويلاً حتى لا تمتدُ إليها يدُ الشيطان).

الرجلُ القصير صاحب المسبحة يرمقه شزراً من خلف الكتاب، ويخاطبه قائلاً: (لا شيطان هنا سواك). ثمَّ يعود ليدفن عينيه بين سطور الكتاب المستغلقة.

(يبدو أنك قد سكرت قليلاً، اهدأ، دعها تسري بمرح يا صديقي) يقول الرجلُ الأشيب.

ولكنه يصبُ كأساً أخرى، يبتلعها جرعةً واحدة، ثم يضع الكوب الزجاجي فارغاً على المنضدة، فيرمُقه الرجل الأشيب ويقول: (على مهلك، لماذا تشرب وكأنك مطارد؟).

(أراك تتحدث بلغة غريبة، وكأنك لم تسمع بالجلد والغرامة وكَشّات العسس، ما تسميه سرعة واستعجالا هو نوع من التكيف الذي اخترعناه للعيش وسط قوانين لا ترحم، لا إندايات ولا بارات ولا غيره، فقط خرابات ومبان قديمة أو مهجورة تمدنا بنصيبنا المعلوم على عجلٍ، ثم نمضي مسرعين، قبل أن ترانا تلك الكتائب المُرابطة على أرصفة الشوارع والأزقة، هل جربت أن تعيش بهذه الطريقة؟).

يصمتُ الرجل الأشيب قليلاً ثم يقول: (هذا يستحق الكثير من التعاطف، أنتم مثيرون للشفقة).

(ولكن قل لي، كم مضى عليك وأنت خارج البلاد ؟)، يسأله.

(عشرة أعوام أو يزيد)، يجيبُ الرجل الأشيب ثم يضيف: (صِرنا أكثر خلق الله تشرداً، سودانيون في كل مكان، إذا رفعتَ حجراً في الصين، ستجد تحته سودانياً، لو دخلت إلى دورة مياه في أقصى قرية في شمال النرويج أو السويد، ستجد بقايا سعوط عالقة بأطراف حوض الغسل، نحن شعب الله المُبعثر).

يضيفُ الشاب الطويل: (نحنُ أمة كبيرة من النازحين واللاجئين، تهيمُ على وجهها بين الدول، أصبحنا يهود العالم المُعاصِر).

الرجل القصير صاحب المسبحة يرمقهما باندهاش، ثم يهمهم بكلمات غير مفهومة.

يهز الرجل الأشيب رأسه ممسكاً كأسه بين أصابعه: (حينما يصبحُ الوطن معسكراً كبيراً للاعتقال، ماذا يفعلون؟).

(الوطنُ في كافوري، الوطنُ في المنشية وفي الخرطوم الأخرى حيثُ الأطفال البدينين يلحسون الحليب الدافئ أمام شاشات البلازما الواسعة) يقول الشاب الطويل بانفعال.

ينهضُ الرجل القصير صاحب المسبحة، يقول: (سأذهب لإحضار العشاء، هل تريدون شيئاً من الخارج؟).

(لا تنس السجائر) يقول الرجل الأشيب ثم يخاطب الشاب الطويل: (لا تقلق، لم يبق سوى ساعات قليلة، وسنكون هناك، من يدري، ربما كانت أمواج البحر أكثر لطفاً وكرماً من أبناء جِلدتنا).

(كم أتمنى أن أصبح بلا ذاكرة!) يقول الشاب الطويل بنبرة مؤثرة، ثم يضيف: (الموتى الحقيقيون هناك، عالقين بين أنياب العوز والفقر، ولا أحد منهم قادر على القدوم إلى هنا، أو حتى مجرد التفكير في (مراكب الموت)، لديهم صراعهم الخاص لأجل البقاء في حده الأدنى، أن تصبح حياً وتتنفس على كل حال والسلام). يصمتُ قليلاً بينما يهز الرجل الأشيب رأسهُ ويتمعَّن حديثه بانتباه. (لا أحد منهم يستطيع أن يطالب بحقه في اللجوء للعالم الآخر، إنهم يقدمون لنا مأساتهم في شكل فرص جميلة، سهلة، هداياهم الغالية تنتظرنا خلف البحر، ما أكرمهم من ناس).

يحل الصمت على الغرفة الضيقة، التي تخلو من الأثاث، سوى منضدة خشبية وأربعة كراسي، وسرير حديدي، بالإضافة إلى ثلاث أو أربع مراتب مكوَّمة على الأرض، دخان السجائر يتمدد على شكل سُحب رمادية تبدو كأنها أشباح مُعلقة ما بين السماء والأرض.

(قل لى ما هي خطتك حينما نعبرُ البحر؟).

يجيبُ الشاب الطويل: (بعد أن أملأ تلك السيقان البيضاء الملفوفة، وأرتوي جيداً من أنهار الويسكي الأسكتلندي سأرى ماذا أفعل هناك).

يضحك، ثم يقول: (منذ زمن وأنا عالقٌ في هذه المُدن الساحلية، فكلما قررت أن أركب البحر، تصطادني إحداهنَّ لأقضي معها ليلتي، التي تمتدُ إلى ليلات وليلات أخرى مع فتيات من مختلف السحنات والأشكال، وهكذا مرت الأيام، وانتبهتُ ذات صباح إلى أنني أنفقتُ كل تلك السنوات الطويلة ما بين قوارير الخمر وأفخاذ فتيات السواحل، ولكنها مضت بسرعة، هل تصدق!).

يضحكُ الشاب الطويل (أنت محظوظ يا صديقي، كم أحسدك على تلك الأجساد البيضاء الناعمة).

(تحسدني، يا لك من فتىً غر، يوماً ما سيقتلك حسن الظن هذا، خذها نصيحةً مِني، ليس هناك أجمل من رائحة امرأة سودانية، عليك أن تختبر ذلك وتتأكد بنفسك).

(القضيب الأفريقي يتمتع بحساسية عالية، فهو قضيب إنساني لا يفرق بين الأجناس) يعلق الشاب الطويل.

يعود الرجل القصير صاحب المسبحة، يضع أكياس الطعام البلاستيكية على المنضدة، ثم يجلس بهدوء. يقول الرجل الأشيب: (ماذا تعرف عن أوروبا؟).

يجيبُ الشاب الطويل: (أوروبا البرلمان، الماجنا كارتا وبيتهوفن، واللوفر ونيتشه وشارع الشانزليزيه وإيفل وعروس التايمز والعاهرات الشقراوات، والبيرة الأسكتلندية…).

يُقاطِعُه: (ألم أقل إنك مفرط التفاؤل، أوروبا يا عزيزي أصبحت مسجداً كبيراً، كل ما ذكرته أصبح من الماضي، الآن المُلتَحون ينتشرون في الشوارع والحدائق العامة أكثر مما تنتشر كُتب الفلسفة الألمانية، والمُحجبات أصبحن أكثر عدداً من تلك الأقفال المعلقة على جسر العشاق في باريس، هذه أوروبا الجديدة يا صديقي).

يبتسمُ الرجل القصير صاحب المِسبحة: (الله يهدي من يشاء…).

(ما يجري هناك يا عزيزي هو أشبه بالاستعمار العكسي، استعمار استيطاني واسع النطاق، ورعاف حسن البنا وحيواناته المنوية تسيلُ على الشوارع ومحطات المترو وفي كل مكان).

ينظرُ إليه الشاب الطويل فاغراً فمه، وعيناه على اتساعهما، ويقول للرجل القصير صاحب المسبحة: (لهذه الأسباب أنتم محقون في تحريم الخمر)، ثم يلتفتُ إليه: (أكمل حديثك).

في تلك اللحظة، نهض وأصبح يجول في الغرفة الصغيرة ذات الأربعة أمتار مربعة، ويقول: (أوروبا الآن تعيشُ عهدها الجديد، عهد إسلاميات ما بعد الحداثة، شبان يخرجون من الديسكو والملاهي الليلية، في منتصف الليل، ويذهبون مباشرة إلى المساجد، وفي الصباح يحزمون مؤخراتهم بالتي.إن. تي ثم يستعجلون خطاهم لملاقاة الله).

(الله يهدي من يشاء) يقول الشاب الطويل.

(بعد سنوات قليلة، سيأتي إلينا الأوروبيون مستجيرين هرباً من هناك، حيث لن يبقى أحد من هؤلاء الأشخاص القابلين للانفجار هنا في بلادنا، سيدخلُ التاريخ عما قريب عهد الهجرات العكسية الثانية، احرص على أي وثيقة تُثبتُ انتماؤك لهذه البلاد، ستكون ذات فائدة لا تقدر بثمن…).

وبعد قليل، يتمدد الرجل القصير على الأرض بجانب الشاب الطويل الذي يبدو أنه قد بدأ يستغرق في نومٍ مفاجئ، بعد أن هدأت مسبحته وأغمض عينيه في مبادرة لاستجداء النعاس، (تبقَّت ساعات قليلة تفصلنا عن البحر، نوماً هنيئاً). بينما جلس الرجل الأشيب على المنضدة ليعالج ما تبقى من زجاجة الويسكي ويرسل بين الفينة والأخرى هذيانات صوتية متقطعة ونبرات فاترة.

* كاتب من السودان