أخبار

الإيقاع الأخير لسيدنا الزغرات

عمر علاف

البركة التي بصقها الشيخ في كُرة من اللعاب مازالت تُذّكِي دِهْن الودك، مَنَّانَة ضرَّابَة الدلوكة تدهن شراشف رحطها الجلدي، بينما يترجرج صدرها كشعلة من النار، ربطتْ عقد السكسك حول عنقها، استدارتْ بعنقها نصف استدارة لترى كيف يقعد الرحط على مؤخرتها، وكما ينبغي له كان جالساً، على خصرها يبدو نسيجه نائما، أقعتْ مَنَّانة، لا كما تقعي الجواري، انفرجتْ شراشف الرحط، هنيهة جالتْ بسبابتها، جسدها تَفَوَّه بالبلل، إذن لم يكن خيالاً في الكرى، تلك اليد التي أيقظتها من النَّوْمَة السَّابعة، وهزّتها كالتبن، لم تكن غير يده المعروقة الطويلة، اللاحقة، صاحتْ بصوت ملؤه تواترتها الحبيسة لسنوات.

“جيت يا شيخي الزغرات، بركة الجيت”

تشنج صوتها، وشقَّت دمعتان طريقهما حين أردفتْ:

“انتظرني أنا جاياك”

في نومتها تلك شعرت بأَنَّ يداً ما تخزها، وأَنَّها تَرْتَّجُ مثل دلوكة تتقاذفها الأيدي، صارت تنقبضُ وتنبسطُ حتَّى هدأتْ فجأة. هي تذكر أَنَّها منذ وفاة الشيخ الزغرات لم تعد لها مآرب في الزواج أو الرجال، وهو لم يزرها في أحلامها البتة، أَحَسَّتْ أَنَّ الشَّيخَ قد عاد لأخذهَا، وتذكَّرتْ أَنَّه قد أخذها من قبل ذلك عنوة من مُلَّاكِهَا الأصليين، سطا عليهم واختطفها؛ كان يجري بها فلا يُسْمَع غير صوت الجرسين على ساقيه، وهفهفة رحطه وهي بين يديه كقطة، أليفة في موائها، المرة الأولى والأخيرة التي رأتْ فيها رجلاً صالحا على ساقيه جرس، وفي وسطه رحط وبسرعة البرق. وجدتْ نفسها في مكان آخر وحولها الشَّيخ، زغاريده تملأ الفضاء ورجلاه تتقافزان وراء الزغاريد، كَمَنْ يَرْكُضُ خلف صوته، بدهشة تنظر إليه، بدا لها مارداً مِنْ الجن، ثُمَّ شيخاً من أولياء الله الصالحين، وبَدَتْ له أبنوسة من بلاد الشلك، ثُمَّ حورية مِنْ حِسَان الجنان. خَرَّ مَقْعِيا أمامها ككلبٍ يلهثُ مِنْ العطش، وجدتْ فِي نفسها صوتاً يدعوها لأَنْ تكون معه بجسده الضخم، كقُبَّةٍ تحتها فكي وأشياء أخرى.

خرجتْ منانة مشفوعةً بالحنين لتلقى شيخها العائد، العائدُ لتوه من غيبتِهِ الطويلة. الدنيا خريف في منازلِ الطَّرْفَةِ البَكَّاية، وبيوت الطين تبدو كسربٍ مِنْ القمل السمين، بعد قليل ستفقأُهُ أصابعُ المطرِ. حملتْ الدلوكة وصليل رحطها، الطريقُ إلي قُبَّةِ الشَّيخ الزغرات كان مُوحِشَاً، وملتوياً كأفعى، تفوحُ مِنْه رائحة مُرَكَّبَة، هِيَ مَزِيجٌ مِنْ رائحة دُخَانِ الطَّلْحِ وبخور التيمان، والمريسة. تخالطُ الرائحةُ المكانَ بحيثُ لا تَبْرَحُه أَبَدَاً. منَّانَة تُميِّزُ بين هذه الروائح جميعاً، ولكنها تشتم معها رائحةَ مَحْلَبٍ بعيد، حدستُ أنَّ السُّحُبَ الدكناء رُبَّمَا تُمْطِرُ مَحْلَبَاً. فجأة لَمَع برقٌ قِبْلِي، انفجرتْ سحابتان.

ذات ليلة ماطرة طواها الشَّيخُ تحت جناحيه، فكّفتْ عن الخوف مِنْ هزيم الرعدِ، بعد ذاك قال لها الشَّيخُ مقولتَهُ التِي تُنَفِّذُهَا كيفما كانتْ أحوالها: “مَنَّانَة! ضرّابة الدلوكة، خادم الله المَاك مَمْلُوكَة، دُقِّي الدلوكة”

انفلتَتْ من بين جناحيه، هرولتْ لتحملَ دلوكتها المُحَمَّاة. المطر يطرق إيقاعات سماويَّة عليها، وقفتْ تحت المطر، بدأتْ تضرب إيقاعاتها المعتادة، تمايلَ الشَّيخُ، وصعدَ الدَّمُ إلى جبينه، عضّ سبابته حتى تقطرتْ دَمَاً، قفز بقدميه عالياً وهو يزغرد، ويزغرد؛ وفجأة توقفَ المطرُ، خرجَ النَّاسُ إلى حيثُ يقف الشَّيخ ومنَّانَة، أطفالٌ عيونهم ممتلئةٌ بالنُّعَاسِ، زوجات كُنَّ يُدلِكن أزواجهن، وفتيات رحوطهن ندية بالأحلام، والشَّيخُ يبدو في إحدى حالاته. بعد انصراف الجميع قالتْ له: “ها شيخنا أنت سلكتَ وأرشدتَ، وحيرانك سلكوا وأرشدوا ما تَخَلِّي ها الرقيص والزغاريد”.

بُهِتَ الشَّيخُ فوجمَ لدقائق، تَلَمَسَ شيبه، أحسَّتْ بِهِ يتضاءلُ، وطَفَحَ النَّدَمُ على شفتيها فعضتهما. الزغراتُ أومأَ لها إيجاباً وانصرف. غَاَلَبَ نَفْسَهُ أسبوعاً بأكمله، لم يرقصْ، لم تطرقْ أذنيه إيقاعات الدلوكة، ولم تسمعْ الحِلَّةُ زغاريدَهُ، بعد ذلك استفزَّه صوتُ نحاسٍ بعض استفزاز، ولكن دَوِيَّ إيقاع في الحِلَّةِ المُجَاوِرَةِ قَاَدَهُ إلى الحالة فقفزَ فِي الفضاء يرقصُ، ويزغرتُ ويَصْدَحُ برنين جرسيه، مَنَّانَة كانتْ تَرْقَبُهُ، تَبَسَّمَتْ وذهبتْ تِلقَائياً لتُحْضِرَ دلوكتها، مُنْذ تلك اللحظة لم تناقشْهُ، ظَلَّ يرقصُ عَلَى إيقاعاتها حتى مَاتَ.

كُلُّمَا اقتربَتْ من ضريحِ سَيِّدِهَا وقُبَّتِهِ؛ تَشْفُطُ بأنفِهَا رائحةَ المَحْلَب وتُضَيِّعُ الروائحَ الأُخْرَى، ستعبرُ وادِيَاً هَزِيلاً تَكُونُ بَعْدَهُ فِي باحَةِ الضَّرِيحِ. فِي الوادِي أَضَاءَ البَرْقُ فَخُيِّل إليها أَنَّهَا رَأَتْ ظِلَالَ السُّحُبِ وهِيَ تخبُّ نحو الضَّرِيحِ، لحظة أَنْ عَبَرَتْ وصَارَتْ فِي مُنْتَصَفِ السَّاحَةِ أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ بِعُنْفٍ غَير مَعْهُود، ذكّرها أنَّها مُتَيَقِظَة وليست على ظَهْرِ حِمَارِ النَّوْمِ. لم تذهبْ إِلى مَثْوَى شَيْخِهَا، حدّثَتْها نَفْسُهَا أَنَّه لا يرقدُ هناك الآن بل سيأتيها مِنْ مَكَانٍ لا تَعْرِفُهُ، اختارتْ أَنْ تَجْلِسَ القرفصاء، فِي مُنْتَصَفِ السَّاحَةِ عَلَى اتِّجَاهِ القِبْلَةِ حيثُ البَرْق والمطر، أحاطتْ الدلوكة بذراعِهَا الأَيْسَر وهِيَ تضعُهَا على فَخْذِهَا، أوقعتْ عليها طرقاتِها المُعْتَادَة، تَكَلَّبَ شَعْرُ جِلْدِهَا، مُنْذُ أَنْ فَارَقَهَا الزغراتُ، لَمْ تَفْعَلُ مِثْل ذلك. تَمَوْسَقَ إيقاعُ المَطَرِ وصَاَرَ أَكْثَر اتِّزَانَاً، توقَّفَتِ الحَمِيرُ عَنِ النَّهِيقِ، الكِلَابُ عَنِ النُّبَاحِ، والشِّيَاهُ والأَغْنَامُ لَمْ تنبسْ ببنتِ شفة، سيطرتِ الدلوكةُ والمَطَرُ عَلَى الفَضَاء، وسَيطَرَ عَلَى مَنَّانَة الإيقاعُ ومَلَكُوتُ الذِّكْرَى، يسحُّ المَطَرُ عليها؛ فتزيدُ ضَرَبَاتِهَا حَتَّى لا تَعِي شيئاً.

زغرودةٌ لا تُخْطِئُهَا أذنُهَا، عرفتْهَا تترددُ فِي الآفاقِ، ورنينُ أَجْرَاسٍ تخطو فِي الفَرَاغَاتِ، لم تَكْذِبْ بَيْدَ أَنَّها خشيتْ أَنْ تفتحَ عينيها لتجدَهُ هَابِطَاً مَعَ البَرْقِ والمَطَرِ. حين مَسَّتْ يَدُه كَتْفِهَا، طَاَرَ قَلْبُهَا، فتحتْ عينيها فلامسَ بَصَرَهَا جَسَدُهُ بِجَرَسِهِ ورَحَطِهِ، ابتسامتُه تَشِعُّ بأنوارٍ خَاطِفَةٍ، كَأَنَّه عائدٌ للتَوِّ مِنْ حَلَقَةِ ذِكْرٍ، أو حَلَبَةِ رَقْصٍ، وهِيَ التِي أغمضتْهُ إغماضة المَوْتِ، وعاشتْ بعده بدون رَجُلٍ، لم تشك لحظة واحدة فِي عودته، وأَنَّهُمَا إِلى الأَبَدِ سيعيشان سَوِيَّا، أمسكتْ بقلبِهَا الطائر واعتصرتْهُ فِي مَكَانِهِ. دَوّتْ صَاعِقَةٌ وأحرقتْ سُنْطَةَ الضَّرِيحِ التِي تَقِفُ قُبالة الوادِي، لم تلتفتْ لِتَرَى لِسانَ النَّارِ مَمْدُودَاً فِي الظَّلامِ، عيناها لا تنفك عَنْ سَيِّدِهَا، لِسَانُهَا ثَقِيلٌ وغَائِرٌ حَتَّى قَلْبها. قَطَعَ الشَّيْخُ سُهومَهَا حين حَمَلَهَا بِرِفْقٍ بين ذراعيه، الدلوكةُ راقدةٌ عَلى خِصْرِهَا، شراشف رحطها مُنْحَسِرَةٌ عَنْ رَدْفَيهَا المُبَلَلين بِمَاء المَطَرِ، نَهْدَاها يُنَاهِزَان السَّمَاء نَحْو مَقَامٍ رَفِيعٍ، وعَيْنَاها تَنْزَرِعَان فِي عينيهِ، أَجْلَسَهَا عَلَى دَكَّةِ الطين، بذاتِ الرِفْقِ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيهِ، هِيَ فِي أَعْلَى الدَّكَةِ كَمَلِكَةٍ وهو عَلَى الأَرْضِ يَتَزَلَفُ نَحْوهَا، وَضَعَ يَدَيهِ عَلَى رُكْبَتَيهَا وقَالَ لَهَا:

“أنا مِنِّك يا مَنَّانَة! وإنتي مِنِّي، الفات مَاَت، والمَات مَا فَات”.

هَجَسَ بِهَا خَاطِرٌ. فكَرَّتْ أنْ تقرصَه فِي أُذْنِهِ، وبسرعةٍ أَمْسَكَتْ بِأَظَافِرِهَا شَحْمَةَ أُذْنِهِ، فِي البدءِ كانتْ قَرْصَةٌ خفيفةٌ، تَبَسَّمَ لَهَا الشَّيْخُ وهُوَ يَقُولُ: “أَنَا رَجَعْتَ لي مِتِل قَرْصَتِك”.

شَطَحَتْ مَنَّانَة فَقَرَصَتْ شَيْخَهَا بِقُوَّةٍ، كان يتألمُ فِي الأَرْضِ، وهِيَ فِي عَلْيَاء الدَّكَةِ تُشَدِّدُ قَبْضَتَهَا، قَفَزَ الزغراتُ عَالِياً وهو يزغرتُ ويزغرتُ، حَمَلَتْ الدَّلُوكَة وضَرَبَتْهَا بِجُنونٍ. شَبَحَان يُعَرْبِدَان فِي الليلِ، تنوشُهُمَا الأَمْطَارُ والرعودُ، تُضِيء لهما البروقُ، وشجرةُ السُّنْطَةِ المحترقةِ، تُخَالِطُ أصواتُهُمَا أصوات الطبيعة التِي حين سَكَتَتْ، سَكَتَ كُلُّ شَيءٍ.

في الصَّباحِ حين توقفَ المطرُ، أَحْصَى النَّاسُ خَسَائرَهُم، عَنْزَة واحدة، وثَلَاثة جُدْرَان مِنْ الطين. أَوَّل مَنْ خَرَجَ بَائعاتُ المَرِيسة، تُخْرِجُ كُلُّ واحدةٍ زَكَاتِها للفُقَرَاء، وتضع كَنْتُوشَهَا أَمَامَ الضَّرِيح، هُنَالِكَ وَجَدْنَ منَّانَة سَاقِطَةً عَلَى الأَرْضِ، رحطها يكسوه الطين، ميتةً وعلى شفتيها ابتسامة آسرة، أصبعَاها الإبهام والسبَّابَة على هيأة قرصة، الدَّلُوكَة مَشْدُودَة وحَامِية تَقْبَعُ عَلَى الأَرْضِ كَأَنّهَا وُضِعَتْ بِعِنَايةٍ. وتَمَكَنتِ النِّسْوَةُ بِسهولةٍ مِنْ أَنْ يُبْصِرْنَ أقداماً ضَخْمَة، مَرْسُومَة عَلَى الطِّين، يبدو أَنَّها لِرَجُلٍ رَاقَصَهَا عَلَى زَخَّةِ المَطَرِ. جَمْهَرةٌ مِنْ النَّاسِ انشدهتْ حِيَال جَسَدِهَا المُسْجَى عَلَى الطِّينِ، البعضُ استوقفته السُّنْطَةُ المحترقة، والبعضُ الآخر رَسْمُ الأقدامِ الضَّخْمَةِ، بَيْد أَنَّهُم جَمِيعَاً اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ تُدْفَنَ فِي ذَاتِ الضَّرِيح.

* قاص وروائي من السودان .