أخبار

الرقص بمسرة الفارس

عمر

أنا كنت أعمل فني “ساوند سيستم”. عملي هذا مليءبالطرائف العجيبة جداً، وحالات النساء النفسية اللائي يرقصن أمام مغنيَّ الشاب والمبدع، وكذلك الرجال الشبان. ورغم أني تقاعدت عن هذا العمل بعد وصولي سن الخمسين، إلا أن أحوال الراقصين والراقصات لا تزال ماثلة أمامي، فأنا الآن بلغت الثانية والستين، وأعمل طراحاً في موقف مواصلات الخرطوم.

وقد توصلت إلى قناعة مفادها؛ بأنني كنت أمام صنف من نساء ورجال جميعهم من نوعية البشر المرحين والمحبين للحياة، بينما لا يزال غالبية الناس متجهمين وعبوسين، والحياة من دون رقص لا تساوي، الحبر الذي تُكتب به، فيما ركوب موجات المجهول والبعيد، لا يتحقق إلا بالرقص وطرب النفس وانتشاؤها الذي لا يعقبه كدر، فمن انتشى وتكدر، ولو بعد حين، فهو لن يكتب مع الراقصين، وبما أني – شخصياً – من الذين يطربون للحياة وموسيقاها، فهذا لا يعني، غير شيء واحد، ألا وهو أنني غير مهتم بالحياة خارج جدراني الذاتية، بمعنى؛ أن عقلي غير مهتم ولا مكتشف لما يُسمى الحزن وجيوشه الجرارة من الكوارث.

مغنينا الطروب، وإن كان يتغنى أحياناً بأغنيات مسلوبة المرح والسعادة، فهو يضفي عليها سحر من لم يشعر بالألم في حياته، وبالتالي فهو يحولها لنا، نحن الراقصون، إلى لحظات خلو من عجائب هذه الحياة، المسماة آلام.

عندما كنت أعمل في فترة من فتراتي سابقاً مع إحدى المغنيات الشعبيات، ذائعة الصيت، وكانت في ريعان شبابها، وتبرع في الرقص لدرجة لا يمكن تصورها بالهين، أصبحت حينها من أميز “فنيي الصوت”، وعُرف عني، ضبطي الفائق والصارم للأجهزة، ولم يشرخ صوت صفير حاد ومزعج “سييييييييك” من وقتها، أي من سماعاتي، ولم يعاتبني مغنٍّ أبداً، والأمر أتاح لي معرفة أشخاص مرحين ويحبون الرقص، كان من المستحيل عليّ أن ألتقيهم، لو لم أكن “فني ساوند”، أو أحد عازفي الآلات الموسيقية على الأقل.

كانت إحدى الصبايا تجيد الرقص بالفطرة، قد التحمت رقصاً، مع مغنيتي الشعبية، في حفلة – لا أزال – أذكرها تماماً، عقدت لإحياء حفل ختان لأحد أبناء أسرة موسرة، منزلهم كان يتوسط العاصمة، والمرأتان صنعتا حالة فريدة من الانتشاء الأبدي، وهما كانتا بالطبع، بلا ضغائن حينها،  رغم أن المغنية الشعبية قد هوجمت وقُطِّع لحمها ما بين الصحف، والمنافسات، وأكثرهن يحسدونها على سخاء روحها للطرب، والصبية الراقصة، رغم أنها يافعة، إلا أنها كانت محسودة على جمالها الساحر، وجسدها الجميل، الذي يساوي جسد ألف امرأة من ذوات الحسن والجمال.

كانت الأغنية مثار الرقص، ممجدة للعلاقات العاطفية الصادقة، وإن نقمت على الخيانات، التي تتسبب فيها “القوالات”، وفي الوقت نفسه تُعبِّر عن تناقص لُحمة الأخوَّة الصادقة، والحق أن دخان السجائر المنبعث منّا نحن الذين نقف خلف المغنية، من موسيقيين وأصدقاء وبعامات ودبايب، وعاطلين عن العمل وشفوت، قد منّح رقصتهما الالتحامية، بُعداً جنونياً، ذكرني على الفور بحفلات بوب مارلي العجيبة.

كانت الصبية قد جلست رقصاً على الأرض، بينما كانت المغنية الشعبية ترقص ممدة على الأرض، وانطلقت جوقة هتافات ممانعة للبؤس وسكون القلب والروح، وتنادي بمسرات الدنيا الفانية، وبالفعل خرجت آلاف الأحزان المعتملة في الأفئدة، وقد حُمل الطفل المختون فوق كتفي أبيه، وجيء به إلى ساحة الرقص الرئيسية قبالة المغنية، وكانت حينها المرأتان الراقصتان، قد نهضتا رقصاً، وصارتا أقرب للوقوف، وينز منهما عرق السعادة، ويطفح وجهاههما بتورد من اقتفى درب الخروج من الوجود وهو حيٌّ بنفسه وروحه وقلبه، وبدا الطفل المختون خجلاً إلا أن الروح المتدفقة من الرقص قد حملته على الشعور بأنه الفارس الأوحد في كون الله هذا ودنياه وعالمينه. قفز من كتف أبيه وتوسط المرأتين راقصاً، وكانتا ترقصان منحنيتان إلى أسفل، ما جعل طوله مناسبا لهما، مقتحماً الرقص، بمسرة الفارس.

عملي الحالي “طراح” مضحك ومثير للشفقة بالنسبة لي، ومليء بالبؤس والعبوس، فضلاً عن أنه لا يتناسب مع روحي المرحة، رغم ذلك فقد أتاح لي معرفة الصنف الآخر من الناس، أولئك الذين تقلقهم هذه الدنيا بمسؤولياتها الجسام، ويرون أنه لا وقت متاح للرقص والموسيقى، لا وقت البتة لديهم لكي تتورد أرواحهم بالرقص، وهذا الأمر يذكرني بالذين يأتون للحفلات ولا يستطيعون الرقص خجلاً وتقييداً من عند أنفسهم، رغم توقهم له الذي يفوق المجامر توهجاً.

ولو أنني عدت في يوم من الأيام لعملي السابق “فني ساوند سيستم”، فأنا مستعد للرقص والسعادة وأيم الله. وإن نسيت فلن أنسى رقصة مغنيتي الشعبية والصبية والطفل المختون، الراقص بمسرة الفارس.

* روائي من السودان