أخبار

نيالا

10253391_726419114069791_109829854_n

كانت الأجواء صحوة لاسيما وأن المطر قد توقف هطوله للتو. ثم أشرقت الشمس حافلة بالتفاؤل. في مثل هذا الوقت بالتحديد من كل صباح تبدأ وردية النظافة داخل المستشفى، وهي تضم خمسين من النسوة العاملات، إذ ينهمكن لأكثر من ساعة في تنظيف غرف وصالات المرضى ومكاتب الممرضات والممرضين والطبيبات والأطباء.

في غرفة الطبيب المناوب حدث شيء غريب هذا الصباح، إذ وجد الطبيب ميتاً وبين يديه رسالة مكتوبة بخط رديء لا يكاد يقرأ وملطخة برذاذ فمه، وأقصى ما تم استبيانه من رسالته الغامضة، أنها كتبت في عجالة غير عادية. الفحص الشرعي الذي أجري عليه أثبت أنه مات قبل نصف الساعة من الآن، ودبج التقرير بعبارة أن موته غامض طبياً، مع توصية بتحرٍّ أمني يشمل كل العاملين بوردية الأمس.

إحدى نسوة النظافة التي أتت لتنظف غرفة الطبيب الميت، هي من أبلغت عما وصفتها بالحالة الغريبة التي وجدته عليها أثناء دخولها المكتب.

أنا كنت نزيلا بإحدى غرف المستشفى. كنت أعاني من جراء تعرضي لتسميم من قبل ولدي يوسف، ولم أعش طويلاً بعد ذلك، لم يمض أكثر من أسبوع حتى أسلمت روحي لبارئها والوصف يدل على أنني مت على ديني وهو الإسلام، وهو على عكس ما كان يشاع بأنني مسيحي ملتزم كما ولدت. سمني ولدي يوسف ولست أدري لم فعل ذلك؟ لو كان الأمر مالاً فلديه الكثير وإن كان يبحث عن المزيد فقد كان بإمكانه تركي أموت بطريقتي الخاصة ويكون له ما له وعليه ما عليه. إذن لم تكن لديه أسباب جوهرية دفعته لقتلي إلا إذا كان مجنوناً.

التساؤل التالي: من أنا؟ هذا سؤال جيد وبإمكاني أن أجيب عنه، بل ومن دواعي سروري أن أفعل ذلك. لكن سأبدأ من أيامي الأخيرة، العشر سنوات التي سبقت موتي، التي قضيتها راقداً بسبب إصابتي بالشلل شبه الكامل، في منزلي بوسط العاصمة، ولي بيت آخر في إحدى أهم مدن الأقاليم كنت أعيش فيه إلى ما قبل إصابتي بالشلل. وأحب تلك المدينة جداً وتمنيت أن أموت بها لولا أن سمني ولدي يوسف، فكنت قد عزمت على العودة إليها لكن شاءت الأقدار أن أموت في العاصمة، وهي ذات الأقدار التي جعلتني أهاجر من بلدي الأصلي لآتي هنا؛ إلى بلدي السودان.

أسررت إلى صديقي بنية ولدي في قتلي وشرحت له الأمر حتى أقنعه بصدق شكوكي تجاهه. لم يكن لدي دليل دامغ، غير أن حدسي لم يخب، خفف عني الحاج عبد الصمد مصطفى، صديق عمري، ووفقاً لحديثه اطمأننت قليلاً ، لكن لم يمر سوى يومين إلا وكنت في طريقي إلى الموت، زوجته ميري كانت مصرة على العودة إلى بلدها،لم ترقها حياتنا بالمرة فكان السم القاتل نصيبي.

لديّ ذكريات لا تحصى ولا تعد، جلها في مدينتي التي أحببتها.. وهناك أنا رجل شهير للغاية، بل أشهر شخص على الإطلاق على مدى أكثر من ستين عاماً، وهذا ليس بالمهم عندي، فقد كنت ولم أزل إلى ما قبل موتي رجلاً بائساً ومفتئت القدر، مرمياً على قارعة النزوح.

لماذا الآن أجتر حسرتي مصوباً إياها نحو الأزمنة القديمة؛ تلك التي هببت فيها مثل عاصفة غامضة أوان اجتياحها الديار، فيما لم أتوقف لأرى في الأزمنة ذاتها، لحظة اندماجي في هذا البلد الأفريقي بكر الموارد، شاسع الأرض؟

كنت من طلائع الأرمن والشوام الذين حطوا رحالهم في السودان، وقدمت بعد قضاء السير كتشنر على دولة المهدية بنحو ثلاثٍ وثلاثين سنة، وإذ ذاك كنت أبلغ الثالثة والعشرين من عمري، وحاصلاً على شهادة ثانوية عليا في التجارة. قدمنا إلى الخرطوم عبر مصر، بدأنا رحلتنا من الإسكندرية مرورا بالقاهرة، وعن طريق أسوان دخلنا إلى السودان بذات الطريق التي سلكتها حملة استرداد السودان، وهو المسمى الرئيس لغزو السودان، أو ما يسميه آخرون بالحكم الثنائي: الانجليزي- المصري. حللت بالعاصمة الخرطوم ومعي رفاقي الباحثون عن اسثمار في السودان. بالقرب من سرايا الحاكم العام، تحديدا جنوب غرب السرايا، على مسافة نحو ثلاثة كيلومترات، استأجرنا منزلاً هناك، كان رأسمالي أوانها يبلغ ما يعادل ألفي جنيه إسترليني، وهو مبلغ جنيته من مقامرات شديدة الخطورة والصخب، جرت على مدى عامين ونيف، لكن لم يرقني الاستمرار في لعب القمار واتخاذه وسيلة كسب أبدية، فهناك الكثير الذي بإمكاني فعله، قلت ذلك لنفسي.

بعد عامين فقط من وجودي في الخرطوم، اضطررت إلى مغادرتها إثر حالة إفلاس شديدة نتجت بسبب معاودتي لعب القمار مرة أخرى مع الجاليات الأجنبية من التجار والموظفين، وشهوتي البالغة للشرب، هي ما أعادني مرة أخرى إلى هذا المربع.

“نيالا”، يخيل لمن لم يرها أنها بقعة نائية. هي بالفعل بعيدة وتقع في أقصى الجنوب الغربي للسودان، لكن بها حركة تجارية جيدة، ويوجد بها عدد محدود من الأقباط الذين استوطنوها بعد بدء حملة استرداد السودان بفترة ليست بالقصيرة، على الأقل نحو خمسين سنة، وفي ما بعد بنوا كنيستين بحيي السينما وشم النسيم في وسط وشمال المدينة. حُكي لي عن مخاطر يندى لها الجبين خوفا وهلعا، وحدثوني عن أناس بدائيين وأمطار مرعبة وصواعق رعدية قاتلة وبروق شديدة السطوع تسقط بسببها المرأة الحبلى حملها، وغابات تجوبها الفيلة وتزأر فيها الأسود، وتزمجر فيها النمور. وبخاصة تم تحذيري من تجاوز العادات والتقاليد الصعبة لسكان تلك المدينة الأسطورية، التي نمت على يديّ والقليل غيري باضطراد مفزع وجنوني.

الألوف فقط هم من كانوا سكانها. لم أحصهم بدقة، لكني قدرت أعدادهم ما بين الخمسة إلى العشرة آلاف، في حين كان معمارها محدود الجمال، وفي غالبها كانت الأبنية مشيدة من القش في شكل هرمي، وبعضها كان مستطيل الشكل، تربتها رملية بيضاء وتضاريسها عبارة عن أودية وسهول وتتشابك فيها مئات الأشجار من التبلدي والهجليج وأشجار السدر، وغابة كبرى من أشجار الدوم. مساحة المدينة شاسعة إلى حد ما، في قسمها الجنوبي كانت تتميز بالتربة الصخرية، أما الشطر الشمالي فكان يتميز بانبساط الأرض، وشطرا المدينة ما يفصلهما هو وادٍ موسمي، يقال له حسب الأساطير المحلية “وادي برلي”. أما السوق فقد كان تقليدياً في شكله ومعالمه، إذ كانت أبنيته كما البيوت من القش، والقليل كان بناؤه من الزنك، لم تكن توجد شوارع إسفلتية، لكن أبنية مقار الحكومة وبيوت الموظفين والمدرسة الأميرية الوسطى، بنيت بالطوب الأحمر على النمط البريطاني. إذا كانت توجد حركة ثقافية حينها، فإنها لا تتعدى الرقص الشعبي أثناء المناسبات السعيدة. كانت وسائل كسب العيش محصورة في الاحتطاب والزراعة والرعي والقليل من التجارة، في تلك الأثناء وعد الإنجليز ببناء مستشفى، إذ لم تكن توجد سوى بضع “شفخانات” محدودة تقدم علاجاً محدوداً للمرضى، ويوجد نادٍ للعب الورق، وهذا الأمر كان حصراً على كبار التجار من “الجلابة”، والموظفين السودانيين، من ذوي الحظوة.

أول فيلم تم عرضه في السينما، التي كانت من أفكاري، في العام 1960 كان فيلم “إسماعيل ياسين في الجيش”، وكان ذلك في يوم الأحد الموافق الثالث عشر من شهر سبتمبر – أيلول من العام ذاته بالطبع، وكان حضور الجمهور كبيراً ومهيباً وغلب عليه الاندهاش. ثمن التذكرة كان متفاوتا بحسب الدرجة، إذ كانت أعلى الفئات ثمناً “اللوج” و”المدرجات الجانبية”، ثم “الشعبي”. بناء السينما استغرق أكثر من تسعة أشهر، بنيت في شارع الجمهورية الذي تمت تسميته شعبيا لاحقا بشارع السينما، وهو يتقاطع مع شارع حي الوادي، وبني في هذا التقاطع في ما بعد، بالتحديد بعد نحو عشر سنوات، دوّار لتنظيم حركة السير، سواء للعربات التي كانت قليلة جداً حتى العام 1965، أو عربات الكارو التي تجرها الأحصنة والحمير، التي كانت تبعر وتتبول على طريق الإسفلت الرئيسي الذي أنشئ بعد الثورة الشعبية في أكتوبر 1964 بنحو عشر سنوات، بالإضافة إلى حركة المشاة العشوائية فيه. مساحة السينما تجاوزت الألف متر مربع بسبعة وعشرين متراً، لها بوابة رئيسية تفتح قبالة الشارع الرئيسي، حيث توجد مساحة كبيرة في شكل صالة تشبه الحرف اللاتيني “ل”، وتوجد بها نوافذ لقطع التذاكر، ثلاث نوافذ بالتحديد، وفي هذا المكان يقال إن أشهر مجنونات المدينة “مريم الشجاعة” قضت، إثر معركة دامية بينها ومجهولين من مجانين ذكور لا أوراق لهم تثبت هوياتهم العاقلة.

لي أجواء وطقوس مفارقة لعادات وتقاليد النيالاويين، وبخاصة طريقة لبسي الإفرنجية المفرطة في مغايرتها للسائد، ثم لا أبدو وأنا أتكلم إلا غريباً ارتضاه غرباء آخرون ليعيش بينهم غريباً، لكنها غربة لا تمنح إحساساً بالأفضلية لكلينا، فأنا غريب ديار، وهم غرباء في وطن شاسع ومترامي الأطراف، لكن سرعان ما ذابت غربتي عنهم بعد أن امتددت في نسيج المجتمع محظياً بزوجتي الريفية “فاطمة”، وهي تحدت مسيحيتي المزعومة وإسلامي المعلن وعيناي الخضراوين، وقبل ذلك مجتمعا بكامله.

عرسي كان في غاية الغرابة، تاهت فيه ملامح الجنس الواحد والعرق الواحد، ذابت في خضمه الألوان، وأقول إن “فاطمة” التي تنحدر من إحدى القبائل المنسية في صحارى دارفور الشاسعة، كانت وإن لم تتوج رسميا بذلك، إلا أنها من تُسمى بـ”الزولة الرايقة”، “الزولة الجميلة”. أين التقيتها؟ بعد مقدمي إلى نيالا أقمت بوسط حي الوادي حيث توجد كثافة سكانية عالية نسبياً ومن مختلف القبائل.

قال لي أحد أقدم سكان المدينة، إن حي الوادي بشقيه الشرقي والغربي هو أول حي سكنه المواطنون غداة نشوء المدينة في بداية القرن العشرين، وهو حي يلمّ في مساحته التي لا تتجاوز الكيلومتر المربع حينها، عشرات الأسر الفقيرة والمعدمة أحيانا إبان أزمنة النشوء الأولى، وقد استوت معالم الحي للناظر إليه أو المار على قارعة شوارعه، إلى قرية كبرى تحفها أشجار المانجو على ضفاف وادي “برلي” من الجهة الجنوبية، وتتوسطها المدرسة الأميرية الوسطى، وأشجار التبلدي العملاقة، ثم مسجد الشيخ “الباهي” وهو ملاصق لبيتي، ثم مسجدي “الفكي نجيب” و”عطا المنان”. هذا الحي تحده من ناحية الجنوب الغربي بيوت المدرسين التي بنيت على الطراز الإنجليزي، ومن الناحية الشمالية الغربية تخوم سوق نيالا الكبير، ومن الناحية الشمالية الشرقية يحده جبل نيالا، وشرقاً باتجاه الجنوب يحده شارع تكتيك، وبوسطه تقبع غابة شجرية من الطلح.

(مجتزأ من رواية)

 

* روائي من السودان