أخبار

الكتابة براديكالية ماركس

3

يقيم الشاعر العراقي سعدي يوسف في ضاحية صغيرة من ضواحي لندن، يستغرق الوصول إليها من محطة (كوينزوي) عبر (السنترال لاين)؛ ساعة من الزمان. ظلت تمطر ونحن نخرج من محطة القطار ظهراً، حين وجدناه بانتظارنا ليأخذنا إلى بيته الجميل بسيارته الصغيرة. بصحبتي كان الشاعر والمترجم حافظ خير، والشاعرة البريطانية سارة ماغواير من مركز ترجمة الشعر. سعدي يوسف أحد أعمدة الشعر العربي الحديث بلا مزايدة، وأبرز من أثرى المكتبة الشعرية العربية بترجمات من لغات وثقافات مختلفة؛ ولد في البصرة عام 1934م، أكمل دراسته الثانوية بها وحصل على ليسانس شرف في الآداب العربية،وعمل بالتدريس والصحافة الثقافية. تنقل بين بلدان شتى؛ عربية وغربية، قبل أن يستقر به المقام هنا. شهد حروباً وحروباً أهلية، وعرف واقع الخطر والسجن والمنفى. نال جائزة سلطان العويس والجائزة الإيطالية العالمية، وجائزة (كافافي) من الجمعية الهلينية، ونال في العام 2005م جائزة فيرونيا الإيطالية لأفضل مؤلف أجنبي، وهو عضو الهيئة الاستشارية لمجلة نادي القلم الدولي.

خلال أكثر من نصف قرن أصدر مجموعات شعرية، أولاها (القرصان) عام 1952م وأخراها (صلاة الوثني) عام 2004م، تضمنتها خمسة مجلدات (الأعمال الكاملة)، كما صدرت له عدة كتب ترجم فيها لعدد من الشعراء من مختلف أنحاء العالم، من بينهم والت ويتمان، وكافافي، ولوركا، وسارة ماغواير، وانغاريتي، كما ترجم لروائيين من لدن نغوجي واثينغو وعثمان سمبين وولي سوينكا، كما له مؤلفات باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية.

تحدث بقلب مفتوح في هذه المقابلة حول عدة محاور تتعلق بالشعر والترجمة والأوضاع الثقافية والسياسية في المنطقة العربية والعراق على وجه الخصوص.

* نصف قرن من الكتابة الشعرية والنشر، ولا زلت تكتب حتى الآن، كيف صارت علاقتك بالشعر اليوم؟

– أنا أكتب باستمرار، تقريباً أكتب يومياً، وإذا لم أكتب يومياً فأكون على استعداد للكتابة اليومية، من القراءة وملاحظة ما حولي من الأشياء، أنا تقريباً مستفز للكتابة دائماً وأكبح هذا الاستفزاز أيضاً لأنني أخشى من التكرار بمحاولة الانتقاء، سواء في الموضوعات التي أتناولها أو الزاوية التي الفنية التي أحاول الدخول منها إلى المسألة.

علاقتي الآن أكثر وثوقاً وأكثر ثقة بالشعر، كفن قادر على الاستجابة وأيضاً قادر على تقديم جواب ليس فقط للفرد ولكن للناس، ولأننا عرفنا الكثير من الأنشطة السياسية وغيرها أصابت الناس بخيبة حقيقية؛ يظل الشعر فناً متمتعاً بنقاء مرموق في ظل هذه الظروف الشائكة التي نعيشها الآن.

* أنت من مؤسسي ما يعرف بالموجة الأولى للحداثة العربية، ما الذي حدث في إطار ذات المشروع منذ ذلك الوقت؟ هل يمكن القول إن الحداثة العربية قد انتصرت شعرياً؟

– الحداثة العربية لم تنتصر شعرياً في اعتقادي، لأننا أمة متراجعة، والتحديث الأكثر عمقاً هو تحديث شامل في المجتمع والسياسة وفي بناء الدولة الحديثة…إلخ، وقد ظلت المسألة نخبوية بالنسبة إلينا، ظل الشعر الحديث نخبوياً بشكل من الأشكال، بمعنى أن الأشكال التقليدية والقصيدة الشعبية أكثر رواجاً من الشعر الحديث أو ما يسمى بالتفعيلة أو بقصيدة النثر، وأنت شاعر وتعرف أنه لا يمكن لناشر أن يطبع أكثر من ألف نسخة إن لم يطبع خمسمائة نسخة، أحيانا يطبع ثلاثمائة نسخة! أما الكلام الكثير الذي يقال ويكتب ولا يعترف بهذا الواقع فأنا أعتبره كلاماً صحافياً أكثر مما هو حقيقي، الانتشار الحقيقي للشعر العربي محدود جداً.

ونحن أمة مقهورة، القهر هو الذي ألجم ألسنة الناس، الآن يمكنك أن تقرأ كلاماً منظوماً لكنه لن يؤدي إلى شيء، أنت تقرأ رطانة، رطانة المسكين غير القادر على الجهر، الشعراء مقطوعو الألسن خوفاً، وهذا من حقهم، نحن نعيش في أجواء لا مثيل لها من القمع وعدم احترام حرية القيم على الإطلاق، وعندما تضيف الرقابة وإشكالات المعيشة تجد أن هذا (كفاح سيزيفي). أن تظل تكتب معناه أن تخرج حتى من أمتك، تخرج من أسرتك من كل شيء، تخرج من ضمانات- فلنقل- المعيشة العادية، من حق أي إنسان أن يعيشها، من ضمنها أن تكون مثلاً في بلدك. هذا كله لم يعد ممكناً إن أردت أن تكتب شعراً، أما إن أردت أن تكتب رطانة فذلك أمر آخر.

* لكن في وقت من الستينيات بدا أن التأسيس ممكن لهذا المشروع وكانت بيروت مركز ذلك الأمل الثقافي؟

– كان ذلك لأن ثمة خلخلة في النظام الرسمي العربي وخلخلة في الدولة كانت لا تزال تعتمل، واحتمالات الثورة قائمة، وفعلاً حدثت أشياء من هذا، حدثت ولكن ضد ما كنا نرجوه، عندما كانت الظروف تختمر لتغيير معين ونحن بوصفنا فنانين متفائلين؛ كنا نحلم بثائر أفضل، لكن الذي حصل في ذلك المفصل الستيني هو الإجهاز على إمكانية التغيير والعودة إلى الأنظمة العسكرية والقمعية بشكل لا مثيل له، مما أخرس الأصوات.

بيروت أفلتت من هذه الحالة، أفلتت لأن الكل كان يحتاج إلى مكان مثل بيروت، بمعنى أن كل الأطراف التي لها اهتمام بشراء الثقافة كانت تحتاج إلى مساحة مثل بيروت تنشر فيها صحفها، الصحف اللبنانية الحقيقية قليلة جداً ونادرة، معظم الصحف هي تابعة للآخر، دوائر المخابرات كلها كانت تريد مكاناً آمناً تعمل فيه على المنطقة كلها.

بيروت كانت نوعاً من اتفاق الـ (جنتلمان) هذا المكان ساحة ليست للقتل، ولهذا كنا نذهب إلى بيروت ونلتقي هناك، في بيروت ولدت حركات في التحديث، ومجلات..إلخ، ولكنها كانت حالة مؤقتة، دائماً كان هناك هاجس من المكتب الثاني للجيش اللبناني، وهو الذي يمسك بكل شيء. حتى في الفترة الذهبية لبيروت جاء وقت وصل الاستقطاب بين اليسار والقوى المحافظة في لبنان إلى أقصى مدى، ودخل الجيش السوري والطوائف، إذَّاك لم تعد لبنان ولم تعد بيروت.

* كيف فرط الأخضر بن يوسف في أن يكون مقيماً في العراق؟ ما القصة؟

– أبدأ بالحديث عن علاقتيبـ عبدالرحمن منيف، الذي كان مقرباً للدوائر العليا بشكل ما، بحكم تاريخ نضالي معين، ولكنه كان في الحقيقة على مسافة بعيدة عن الدوائر الحاكمة في العراق، وفترة ثمانية وسبعين عندما اشتد الظلم والقمع، عبدالرحمن صار أكثر جرأة في التعبير عن آرائه خصوصاً في الجانب الثقافي، وتوطدت علاقتي بـ عبدالرحمن، بعدها تعرضت لفترة طويلة من محاولة إرغامي على الانضمام إلى حزب البعث الاشتراكي، قاومت بالطبع على قدر طاقتي، إلى أن يئس القوم مني فأرسلوا إليَّ أولاً شعراء، ثم سياسيين، وأخيراً مسؤول الحزب في المنطقة التي أسكنها، الذي قال لي إنه مضطر أن يحيلني إلى الأمن، قال لي ذلك في منزلي، قلت له افعل ما تريد ولو كنت مقتنعاً لانضممت، فاتصلت بعبدالرحمن منيف وقلت له أعطوني أسبوعاً واحداً، وقال إنه سيفكر في الأمر، وسيذهب إلى ميشيل عفلق. في تلك الفترة لم يعد أصدقائي من الشعراء البعثيين يردون على تلفوناتي، وبعد ثلاثة أيام جاءني عبدالرحمن منيف وقال لي: (ميشيل عفلق يقول: فليحزم سعدي يوسف حقائبه ولا أستطيع أن أحميه) وفعلاً خرجت.

هذه ظروف قهر، أنا لم أفرط في بلدي بالخروج منه، لو كنت بقيت وارتضيت لكنت فرطت فيه بالفعل.

* أقمت في بلدان عربية وغربية كثيرة، ولكنك كنت في اليمن في مرحلة حساسة من تاريخه الثقافي والسياسي، عدن على وجه الخصوص، ما الذي كان يحدث هناك؟

– أعتقد أنني أقمت فترة من أجمل فترات حياتي في اليمن، كنت في مؤسسة الهمداني للطباعة والنشر، كانت نسبة النساء العاملات في المؤسسة ستين في المائة، يعملن في التحرير والطباعة..إلخ، عدن كانت مدينة بما تقدمه من خدمات، كانت النخبة الثقافية أكثر تجانساً من النخبة السياسية، وكانت أيضاً تحاول أن تلم اليمن على بعضها، كل المجلات وكل الشعراء من الشمال يأتون ويذهبون، كان هناك نوع من الوحدة الثقافية، كانت هناك حركة ثقافية وفنون تشكيلية لكن المسرح كان الأكثر أهمية وفاعلية لأنه يتنقل بين المحافظات، ولأن صناعة السينما صعبة ومعقدة وتحتاج إلى موارد صارت بدايات أولية جداً بالتنسيق مع إدارة التلفزيون. النخبة السياسية حاولت ولكن المسألة أنه كان في مهب الريح، كان ينبغي للديمقراطية أن تزول، غورباتشوف هو الذي أمر بإسقاط الدولة، طابور الدبابات الروسية هو الذي أسقط النظام، وأنا كنت هناك.

* كيف حافظت على الشاعر والمبدع داخلك وأنت في معتركات السياسة، أيضاً معروف بانتمائك الشيوعي في واقع تكتنفه تناقضات الحزب نفسه؟

– دائماً أنا خارج التنظيم وأظل، من موقع ماركسي راديكالي جداً ومتصلب، وأيضاً لهذا نجوت من إشكاليات تناقض الأحزاب والتنظيمات الشيوعية في المنطقة العربية، وأبقيت شيوعيتي نقية، وأنا أعتز بأنني ناضلت حتى يبقى الأمر كما هو عليه بالنسبة لي، هذا دليلي لا أستطيع أن أكتب بدون راديكالية ماركس.

كان رهاني على الفن نفسه، وهذا الرهان أكثر راديكالية من الرهان على الأيديولوجيا لأن الأيديولوجيا تتحمل الكذب والمبالغة والتزوير، الفن لا يتحمل هذا الشيء ولأنك أكثر راديكالية تستطيع أن تمضي. الأيديولوجي مليء بما ينتقد، مليء بما يلاحظ، مليء بما ينبغي أن يغير، الشاعر يظل دائماً هو الناقد بما يمتلك من زاوية نظر مختلفة. الشاعر مختلف، إن كان الشاعر مؤتلفاً فليبحث عن مهنة أخرى، فليصبح تاجراً أو أي شيء.

* هذا العمر الطويل مع الشعر، كيف تمكنت خلاله من الالتصاق بالسيرة الذاتية؟ كيف تمكنت من الهروب منها؟

– لماذا أهرب من السيرة الذاتية، السيرة الذاتية هي انطلاقتي إلى النص لأنه القصيدة مشخصة، وأنا مدخلي فردي إلى النص، مدخلي (حاستي) أو مجموعة حواس شخص، ومدخلي المكان، والمكان متصل بشخص، ولهذا لا يمكن استبعاد السيرة الذاتية عن النص الشعري، وإلا فمن أين لي الحق أن أتحدث باسم الجميع؟ لي حق، أنا أتحدث عن نفسي، هذه مشروعيتي أنا، لم ينتخبني أحد حتى أتحدث عنه، أنا إنسان فرد ومدخلي إلى الحياة والفن هو مدخل شخصي جداً.

الالتصاق بالسيرة الذاتية يقدم الأخلاق في الكتابة، بمعنى أنك تكتب عما أنت فيه، وعما جربته وعرفته، وعن المكان الذي أنت فيه، وعن أحاسيس وعواطف انتميت إليها في تلك الفترة، إنها عملية عادية ليست خارقة ولا غريبة، أنا أقصد أنه من الطبيعي أن تكون أنت أنت، وهذا هو العاصم من الزلل.

* هل كنت تحاول الرواية حين كتبت (مثلث الدائرة)؟ وهل يمكن أن يستنفد الشاعر طاقته الشعرية في وقت من الأوقات ويتحول إلى ضرب إبداعي آخر؟

– حلمت بكتابة الرواية الشعرية، والرواية الشعرية فن غير ممكن إلى حد كبير، رواية واحدة أقنعتني بأنها رواية شعرية، هي رواية (تيرانسترا) للكاتب الأسباني (كارلوس فيولنش) وقراءتها تسبب لك حالة جنون وهلوسة وأنا أعتبرها معجزة واستثناء.

مثلث الدائرة كتابة أقرب إلى اليوميات، اخترت لها شكلاً فنياً معيناً كنوع من الاحتيال على كتابة اليوميات، ولكنني لم أقصد أن أكتب رواية. أنا مدمن قراءة روايات ولدي معرفة بفن الرواية، حين كتبت مثلث الدائرة وضعت خطة مفصلة، بأن أكتب في اليوم خمس صفحات مثلاً، وهي طريقة فيها نوع من الانضباط وتتناسب مع كتابة الرواية، لكن الرواية ليست مجالي الإبداعي الحقيقي، مع أنني أحب الرواية أكثر من الشعر.

* هناك حديث دائم عن صعوبة ترجمة الشعر، وأنت من القلة النادرة التي تصدت لهذا الأمر في العربية. هل يمكن أن تحدثنا عن تجربتك في هذا السياق؟

– أنا مترجم محترف، بمعنى أن لي تاريخاً طويلاً في الترجمة، ولي الكثير من الكتب المترجمة. وغير محترف، بمعنى أنني لا أترجم بناء على طلب أو خلافه، أنا أترجم ما أحب أن أترجمه، على العموم أنا أحب أن أترجم الشعراء الذين يقتربون مني وأقترب منهم من حيث اللغة والعوالم والقصيدة، أحيانا تحدث معي بعض الصعوبات، مثلاً حين ترجمت (أونغاريتي) وكذلك لوركا، تحديداً في الأغاني، وقد كانت هذه القصائد في الأصل الأسباني مغناة ولها لازمة غنائية معينة، فتوجب عليّ في العربية أن أروح مع لوركا، أن أعطي وزناً معيناً أحافظ به على اللازمة، بشكل من الأشكال.

أنا أحترم الخصائص الأساسية في النص الأصلي، وأحياناً تحدث ضرورات لخلق شيء آخر، يعني مثلاً في تجربتي مع ترجمة (والت ويتمان) وجدت القارئ العربي لا يمكن أن يتقبله كاملاً، ومن الممكن أن يراه تافهاً أحياناً أو عادياً من خلال الترجمة، حين ترجمت ما ترجمت من (أوراق العشب) حاولت أن أعطي دفعة أكبر للغة. شاعر مثل كافافي متقشف جداً ويابس، وسحر نصه في يباسه وفي تقشفه، كان ينبغي أن أحافظ على خصائص كافافي حتى يعرف القارئ العربي حين ينتقل كافافي إلى العربية شاعراً مقتدراً ومختصراً لأبعد الحدود وأنا لا أريد أن أضفي عليه سحر كلماتي.

* من هذا المدخل هل يمكن أن تحدثنا – أيضاً- عن تجربتك مع مركز ترجمة الشعر بوصفك راعياً للمركز؟

– المملكة المتحدة عموماً متخلفة في ترجمة شعر الأمم الأخرى، ربما لأنها مكتفية بلغتها في أغلب الأحيان، ربما هناك عوامل خارجية ساهمت في اهتمامهم بالترجمة إلى لغتهم بصورة عامة، وهو اهتمام جديد عليهم، وهذه العوامل الخارجية تتمثل في وفود قدمت إليهم من أوروبا الشرقية، من كوسوفو والبوسنا وبلغاريا وهنغاريا، وهم بصدد دخول النظام الثقافي الأوروبين وهذا من ضرورات (أوروبا المتحدة) وليس (المملكة المتحدة)، لكن ومع هذا الاهتمام ظلت الترجمات إلى الإنجليزية محدودة حتى الآن، مثلا في (أكسفورد) و(درم) وغيرها، توجد أقسام عربية مهمة ولكن ليس فيها شيء مهم في ترجمة الشعر، ربما كل عشر سنين يطلع شيء من العصر العباسي أو العصر الجاهلي، وهو شيء كثير المحدودية.

الآن وجود مركز ترجمة الشعر يعتبر فرصة كبيرة وتكمن أهميته في أنه يعمل بصورة متصلة وبشكل متخصص ودائم، ما أريد للمركز أن يضيفه، إضافة إلى الدعوات التي ابتدرها في أكتوبر من العام 2005م لعمل جولات للشعراء بعد ترجمتهم إلى الإنجليزية لتقديم قراءات في مدن مختلفة بالمملكة المتحدة، هو أن يعمل على تنفيذ برنامج مواز، فلنقل إصدار ستة كتب مترجمة في العام، والمركز قادر على الحصول على مخصصات في هذا السياق.

* ارتبط اسمك بدار المدى للطباعة والنشر، هل تحولت إلى ناشر؟

– لا لم أكن ناشراً، كنت في باريس ورئيس بلدية شيوعي أعطاني شقة وهذا نادراً ما يحدث في باريس، ولدي صديق قال إنه يريد أن يصنع مشروعاً ثقافياً في بلد عربي، وعرض عليّ تأسيسه فتركت باريس وذهبت إلى دمشق واشتغلت في تأسيس دار المدى للطباعة والنشر لعدة سنوات ولم يكن لدي أي علاقة بأي شيء إداري أو مالي.

* إذن ما الذي أنجزته من خلال تأسيس هذه الدار؟

– كنت حريصاً على أن تعمل هذه الدار على التأسيس الثقافي وأن لا تعنى بإشكالات الخصومات والسجالات إلى آخره من الحروب الداخلية، حرصت أن تتأسس دائماً على أن تنشر سواء في المجلة أو في الكتاب ما ينفع الإنسان، ما يقدم له قيمة ثقافية، وأعتقد أنها حتى الآن تسير في هذا الاتجاه، وأيضاً حاولت ربط الثقافة العربية بثقافة العالم عن طريق الترجمة، والترجمة الجيدة، وترجمت أعمالاً جيدة أيضاً، نحن أمة محرومة من الخير؛ دائما أقول، على سبيل المثال نحن لم يصدر إلينا من الشعر الإنجليزي سوى (ت.س. إليوت) بينما جيل كامل هو جيل (أوديون العظيم)، الذي هو جيل يسار هائل وهو المؤثر الذي أتت منه الشاعرة (سارة ماغواير) لم ينقل منه شيء إلى اللغة العربية، وهذا أساء إلى تطور النص العربي.

* هل هناك تواصل بين الأجيال الشعرية العراقية المختلفة في الداخل والمهاجر العديدة التي تنتشر فيها؟

– التواصل ليس غائباً بين الأجيال الشعرية المختلفة داخل وخارج العراق، وأنا أتابع الآن ما ينشر من نصوص شعرية كثيرة من شعراء عراقيين بالداخل والخارج. التواصل موجود لكن الحالة مستحيلة وهي لا تجد تعبيراً عنها، هناك يوجد شيء من التعمية، من الخوف وعدم معرفة كيف يمكن أن يتحدث المرء، ولهذا أسبابه، نحن تعودنا على سياقات متصلة كأن يكون هناك نظام حكم معين وأن تكون معه أو ضده، الآن البلد لم يعد قائماً على الأقل لعقدين من السنين، في هذه الحالة أنت لا تستطيع أن تطالب الشعب بكثير لأن البلد ليس قائماً، في هذه الحال لا تكون هناك ثقافة، كل شيء مؤقت ومتغير، وتحت الخطر وتحت الزوال، أي لا يوجد شيء.

* الآن وفي ظل الوضع الراهن في العراق، هل باتت العودة مستحيلة؟

– موقفي صريح من الاحتلال، وأكثر من صريح، وقد ظللت أكتب منذ سنتين مقالات وأنشرها بالصحف تعبيراً عن هذا الموقف، جمعتها في كتابي الذي صدر مؤخرا بعنوان (يوميات الأذى) أنا ضد الاحتلال بشكل مطلق والعودة إلى العراق مستحيلة بالنسبة لي، توفي أحد أبناء عمومتي قبل أسبوع، أرسلت خبراً إلى الأهل بعزمي على الحضور لأداء واجب العزاء فهاتفوني وقالوا لي: (إياك أن تحضر إن كنت تحبنا، نرجوك لا تأت فالوضع لا يطاق)، اعتبروني حضرت العزاء هكذا تقول لي أسرتي في البصرة والبصرة الآن وضعها مختلف وأنت تسمع الأخبار.

 

*شاعر سوداني

alsaddiqalraddi@gmail.com