أخبار

تتلاحقُ أنفاسُ الأنقاض

3

منذ افتتحنا الـ(مَمر) قبل شهرين من هذه الجمعة، وجدت نفسي – كمحرِّرٍ ثقافيٍّ توقَّف عن العمل في هذا الحقل منذ العام 2012م – أواجه واقعاً مُشرِّفاً في الحركة الثقافيّة السودانيّة؛ فقد حدثت وتحدث ثورة ثقافيّة وفكريّة هائلة تتناغم، تماماً، مع ما يحدث في كلِّ مكانٍ في العالم؛ الكثير من الأسئلة الجريئة، انكشاف الحيوات الشخصيّة والتصادم الحضاري العظيم ما بين الواقع وما يدور في أذهان الأجيال المتلاحقة، لا حادَّ لسلطتهم ومجادلاتهم، لقد انتقلنا إلى مرحلةٍ جديدةٍ من مراحل التوحّد والتقبّل والمواساة. ذلك في الواقع الفضائي الموازي.

تتصاعد في الأيام والأسابيع الماضية أشكالٌ مُبهجةٌ من الاعتراض والاختلاف من أفرادٍ وجماعات، نساءٍ ورجال، كذلك في شتّى الصحف والصفحات المتخصصة، من صفحاتٍ اقتصاديّة إلى فنيّة إلى سياسيّة ورياضيّة، ثم، أضف إلى كل ذلك، صفحة الجريمة: حيث كلّ ما يحدث من إذلالٍ ونَزعٍ للحقوق يتحقَّقُ من خلال هذه الصفحة: جرائم داخل البيت، في الساحات العامّة، وفي أماكنَ من الممكن أن نأمنَ فيها على الأطفال، البنات والأولاد، ، ولا ننسى الاستغراق التام في التعاسة والاكتئابات التي أصبحت المرض الأوسع انتشاراً في جميع أنحاء المعمورة.

لم تصُن الزيادات الاقتصاديّة في الأسعار، والتي أُلحقت بطامة الدواء التي لا دواء لها؛ منذ أن بدأت قبل أعوام، لم تصن كرامة هذا الشعب. ويبقى التبرير لوجودها، من الأساس، أمرٌ مؤلم مثلما هو مؤلمٌ حدوث المرارات من موت الأعزاء وجوع الأبناء. أما الأخيرة التي اندلعت في وجوهنا، ومع المهارة العالية التي حدثت في ارتفاع أسعار المواصلات العامة، أولاً، لأجل إخماد التجمعات، ثم في الدواء، بعد ذلك؛ لهو من الحرام السكوت عليه. التبريرات الاقتصادية التي قرأناها في صحف الأيام السابقة من أقلامٍ كبيرة: بروفيسرات وأساتذة اقتصاد، و(إلخ)، تدعو للشفقة، في مواجهة ما يعانيه الناس يوميّاً.

شخصيّاً، لم تعد الحياة بالنسبة لي منطقيّة: راتبي، إضافةً للأعمال الجانبية -أو ما يسميها الزملاء في سلك التصحيح والتحرير بـ(الزبالة)- لا تكفي حتى حق الإيجار، فكيف لصاحب الكارو؟ وسيد الدكان، والجزار، وست الشاي، وسيستر المستشفى، والذي يُحمّل الأحمال على ظهره في الميناء البري، والعامل في مصنع (البلاستيك)؟.

إن التصاعد في أشكال المطالبات الأساسيّة لأجل الحياة -لا لإسقاط النظام، ولا لنطح الحوائط العمياء- ولكن لأجل الحياة؛ لأجل التنفّس بهدوء في الليل، لأجل وجود الليل في البيت، لأجل وجود البيت واعداً بإفطارٍ في اليوم التالي: أساسيّات الحياة. هكذا، ربما، يتعلّم الناس، أو كما قال جوروج أورويل إبان الحروب العالمية الماضية: [ولن تَكونَ مبالغةً إذا قلت أن الحرب قد حَوَّلت الناس إلى مثقَّفين، لكنها جَعَلَت منهم عَدميين لفترةٍ من الزمن. الناس الذين كان من الممكن، بالطرق العاديَّة، أن يُمضوا حياتهم بنحوٍ هادئ حوَّلتهم الحربُ إلى متمرّدين. ما الذي كان يمكن أن أكونه لو لا الحرب؟ لا أعرف، لكنه شيءٌ مختلفٌ عمَّا أنا عليه الآن. إذا حَدَث ولم تقتلك الحرب فمن المؤكَّد أنها ستجعلكَ تفكِّر؛ لا يمكنك بعد ذلك الاضطراب المعتوه الذي لا يوصف أن تستمر باعتبارك للمجتمع شيئاً أبديَّاً غير قابلٍ للشك، كالهرم. لقد صرت تعرف أنه مجرَّد خَرَاب].

المشكلة –غير المنظورة لمن لم يُعايشوها فعلياً، لحماً ودماً وخيالاً وأحلاما- أن حَجْبُ المعرفةِ الذي مُورِسَ في بدايات تسعينيات القرن الماضي؛ إبّان نموّنا من تربة عوائلنا إلى رحاب الكون، هذا الحجاب الذي ضُرِبَ يأخذ حقّه اليوم: هؤلاء البنات والأولاد الزي الورد، الذين يلتهمون المعرفةَ التهاماً، لن يثنيهم شيء: إنهم الأفكار المزروعة في الطبيعة، بذوراً قديمةً جداً، وها هي، الجائعة فكريّاً، تطالب بحقها في الحياة.

* كاتب وشاعر من السودان

* تم النشر تزامناً مع ملف الممر الثقافي الذي تُصدره جريدة السوداني بالسودان.

*