أخبار

السودان وجنوب السودان نيلٌ ثقافيٌّ واحد.. ومناخٌ سياسيٌّ متقلِّب

ا

في ظهيرات الخرطوم الحارقة أو الدافئة منها، في الركن الجنوبي الشرقي لمدرسة الاتحاد العليا، ستجد بوي جون أو أتيم سايمون أو كور متيوك، وستجد أيضاً محفوظ بشرى أو مصعب الشيخ أو منتصر إبراهيم؛ ستجدهم وغيرهم من كتاب وصحافيي جنوب السودان وشماله، يتجاذبهم ماضي المواطنة ومصير الجوار الراهن، لا الحدودي والسياسي فقط، بل الثقافي والاجتماعي في البلدين المنشطرين منذ 2011. ولربما خلصت وأنت بينهم إلى أن البلدين وجهان لأزمة واحدة، على مختلف المستويات. عبر هذا الريبورتاج نرصد أبرز هذه التبادلات الثقافيّة بين الدولتين في شتاء هذا العام 2016م، ومن المعروف أنه الفصل الذي ينشط فيه الحراك الثقافي كموسم دائم، ليضفي دفئاً معروفاً لمحبي الفنون والآداب في الخرطوم.

تهتم السياسة بالجماعات، بينما تعتني الثقافة بالأفراد، وفي شأن الأفراد فإن الذي يحدث لهم، مهما كانت البلدان التي يعيشون فيها أو الظروف والأحوال، فإنها توحّدهم بأكثر من ما تفرّقهم. نرى أن الأدوات الثقافيّة تكسر الحواجز، وأهمها الإنتاج الإبداعي. في شأن السودان فقد انقسم إلى دولتين في العام 2011م كما هو معلوم، ورغم الخلاف والتذبذب البائن بين الدولتين الجارتين، السودان وجنوب السودان، إلا أنها في شتاء هذا العام 2016م، في ما يخص الحركة الثقافيّة في البلدين، قدّمت نموذجاً وحدويّاً ناضجاً؛ بل أصبحت جوبا – عاصمة الجنوب – هي الأقرب إلى الحركة الثقافيّة في السودان من أيّ جارٍ آخر؛ ففي الأعوام السابقة نشطت الزيارات المتبادلة في مجال الكتابة تحديداً بين البلدين؛ فالكثير من الناشطين في المجال الكتابي باللغة العربية كانوا جزءً أصيلاً من الحراك الكتابي في الخرطوم، تطويراً واختلافاً واجتراحاً وتجديداً في الكتابة الإبداعية المكتوبة بالعربية، ساهموا في إثراء الحراك الثقافي من خلال التأسيس والنشر (الكتب والمجالات والملاحق الثقافيّة)، فبدت مسألة الحدود بين الدولتين ممحوّةً تماماً.

الممر: مأمون التلب – حاتم الكناني

دار رفيقي

في مجال النشر، أسس كتاب ومثقفون جنوب سودانيين داراً للنشر باسم (رفيقي)، تنشر كتباً باللغة العربيّة التي تعتبر من لغات الجنوب الرئيسيّة، يكتب بها العديد من الكاتبات والكتاب المؤثرين في الجنوب والشمال، والذي ميّز تجربة الدار أنها – رغم حداثة سنّها – تفوّقت على الكثير من دور النشر في الشمال القديمة من نواحي التصميم والطباعة والتحرير (جودة المُنتَج)، إضافةً إلى القيمة العالية لما تنشره من كتب. ذلك لم يمنعها من الاتجاه شمالاً لتنشر للعديد من الكتاب السودانيين؛ فخلال معرض الكتاب الماضي عرضت الدار كتباً للأستاذ كمال الجزولي (الآخر: بعض إفادة مستعربٍ مُسلمٍ عن أزمة الوحدة المُتنوِّعة في السودان) و(الشيوعيّون السودانيّون والديموقراطيّة)، وشارك الدكتور التشكيلي حسن موسى برسوماته في كتاب الكاتبة الجنوب سودانية استيلا غايتانو بعنوان (الطائر الجميل المتواضع)، وهي كتابة جديدة في أدب الأطفال، ترجمه للإنجليزية الروائي آرثر قبريال ياك. بالإضافة إلى روايات ومجموعة قصصية للروائية سارة الجاك، ورواية (جمجمتان تطفئان الشمس) للكاتب منجد باخوس. أصدرت الدار كذلك العدد الجديد من مجلة اتحاد الكتاب السودانيين (كرامة) رغم أن الاتحاد كان موقوفاً، وأعيد نشاطه بأمر المحكمة الخميس الماضي. ودار رفيقي سجلت في مدينة جوبا عاصمة جنوب السودان، وبدأت أولى إصداراتها بإصدار صحيفة إعلانية متخصصة توقفت فيما بعد، لكنها في العام 2012م عاودت نشاطها مجدداً في مجال نشر الكتب والمجلات لكتاب من جنوب السودان وغيرهم من الكتاب، كنوع من التأسيس وتشجيع الإنتاج الأدبي والثقافي في سائر ضروب الكتابة وصنوفها المختلفة وبجميع اللغات.

يقول الناقد المسرحي والصحفي مثيانق شيرللو، في تقريرٍ عن معرض الخرطوم الدولي، نُشر بملف صحيفة (الموقف) الثقافي بالجنوب: [يُعد الحراك الذي أحدثته “دار رفيقي للنشر” هو الملفت للأنظار بكل المقاييس، ضمن أول مشاركة للدار في هذا المعرض، وبالقرب من الصالة رقم 1 “دار رفيقي للنشر”، كانت ثمة صالة أخرى ولكنها لا تجذب الأنظار تماماً باستثناء عنوانها العريض “وزارة الثقافة – جمهورية جنوب السودان”، والزائر لهذا المكان يصاب بخيبة أمل كبيرة خصوصاً وأن الجناح الخاص بالحكومة داخل المعرض خالٍ تماماً من أي كُتب تعرض الجانب الآخر للبلاد؛ فكانت مشاركة أكثر من خجولة مقارنة بمشاركة بعض الدول الأخرى في المعرض عبر وزارت الثقافة؛ مثل الأردن والسودان والكويت، وهي دول أخذت مساحات كبيرة بسبب عناوين متعددة للكتب في مجالات السياسة والفن والأدب وخلافها من المجالات، هكذا عبر “جون” المواطن الجنوب سوداني المقيم في الخرطوم عن صدمته وخيبة الأمل جراء مشاركة وزارة الثقافة في هذا المعرض الضخم، ولكنه – أي جون – يعود مرة أخرى ليشير بأصابعه إلى صالة “دار رفيقي للنشر”، حيث يضيف قائلاً: “شعرتُ بفخر واعتزاز لكون أن دار رفيقي للنشر حاضرة بكتب متعددة في مجالات الأدب والفن والسياسة وبعناوين جديدة مقارنة ببقية الكتب المعروضة في دور النشر المشاركة في المعرض”]

دمٌ وثمار

تقول الكاتبة سارة الجاك التي أنتجت ثلاثة كتب بالتعاون مع دار رفيقي بجنوب السودان: “فيما يخص التعاون الثقافي ما بين السودان وجنوب السودان، من منقو زمبيري الذي عرفنا على البافرا في كتاب الجغرافيا على المستوى العام إلى فاطمة مرجان جدتي لأمي، وأنا أتشرَّب ثقافة جنوب السودان”.

سارة الجاك

سارة الجاك

وتضيف صاحبة رواية خيانتئذ: “لم يفصل ذلك القرار السياسي كرويات دمي التي تنتمي إليهم. ففيما يلي الثقافي صادقت استيلا قايتانو فكانت رفيقة قلم وحياة، تثاقفنا واختلفنا واتفقنا، وعن طريقها تعرفت على دار رفيقي للنشر وتشرفت بالتعاون بيننا الذي أثمر كل كتبي ووصلت كتاباتي إلى القارئ بفضل جهودها. ومن ثم تعاونت الدار مع مجموعة من الأقلام السودانية، حيث اتفق منتجنا الإبداعي مع خط الدار الذي اختطه لنفسها”.

وتضيف سارة: “رفيقي دار محترفة في مجال النشر والتوزيع وتُقدِّر كتابها وتتعاون معهم، لذلك يخرج العمل بشكل راقٍ ومُرْضٍ للمتلقي الذي يبحث عن الجيد في الكتب”. وتعتبر سارة أن عمل دار رفيقي أثمر مكتبةً مُحترمةً للقارئ في البلدين.

زيارات متبادلة

تتنظر الخرطوم استقبال الشاعر والروائي بوي جون الأسبوع المقبل، فمن المفترض – حسب إفادة بويي للمر- أن يتم ترتيب فعالية لتدشين والاحتفال بروايته الأولى (جنة الخفافيش) والصادرة عن دار الساقي ببيروت؛ حيث تم تدشينها الأسبوع الماضي بلبنان، بمشاركة الكاتب، بجانب خمس روايات أخرى فازت العام الماضي بمنحة المورد الثقافي المعروفة، كما ستُدشّن في عاصمة الجنوب كذلك، وأفاد الشاعر أتيم سايمون أنه سيحتفي بديوانه الشعري الأول بالخرطوم وجوبا، ومن المتوقّع أن يكون حفل التدشين متقارباً في الزمن أو مُشتركاً. على ذات السياق سجّل الروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن زيارةً لمدينة جوبا لأول مرةٍ في حياته، وقد احتفت به الأوساط الثقافية في الجنوب أيّما احتفال كما بان من الصور المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعية، وقد نظمت منظمة جنوب السودان للمسرح ورشة عمل لكتابة النص المسرحي قدمها بركة ساكن وشارك في الورشة عدد من الممثلين الذين مثلوا افة المجموعات والفرق الفنية العاملة بجوبا بدعوة من المنظمة. وكان اتحاد الكتاب السودانيين، كذلك، قد أرسل وفداً للمشاركة في حفل تدشين كتاب (العودة) للقاصة استيلا غايتانو، العضو الفاعل في اتحاد الكتاب السودانيين، من ضمنهم الشاعر محمد طه القدال والأمين العام السابق للاتحاد كمال الجزولي.

استقلال أم انفصال؟

وحول العلاقات الثقافية بين جنوب السودان وشماله، وكيف هي بعد مرور خمس سنوات على الانفصال.. وهل يمكن أن تُقدم الثقافة والمثقفون بديلاً لشكل العلاقة المتوتر شداً وجذباً على المستوى السياسي، أجابنا الكاتب والصحافي والمحرر الثقافي عمار جمال – الذي عمل في الصحف بجنوب السودان بعد الانفصال – بقوله: “هل ما أنتجه تقرير المصير هو استقلال أم انفصال؟ أغلب مثقفي الشمال يرون أن ما حدث هو انفصال لجزء عزيز، الجنوب الحبيب؛ فيما بالنسبة لمثقفي الجنوب، فإن ما حدث عشية التاسع من يوليو هو استقلال كيان جديد. وهاتان رؤيتان للتاريخ مختلفتان. ليس أحدهما أحق وأجدر من الآخر؛ ليس أحدهما متفائل فيما الثاني متشائم؛ ليس أحدهما واقعي فيما نظيره متوهم؛ فقط هما منظوران للتاريخ متباينان. مثلهما وأي منظور للتاريخ”.

ويشير عمار إلى أن “كل موقع (ثقافي) يجب أن يأخذ في اعتباره النقطتين المهمتين: صميميّة الثقافة والسياسة، ومدى صلاحية منظوري التاريخ لإنجاز فضاء تحرُّر يُحسِّن شروط حياة الأفراد”. فليست  السياسة – كما قال عمار – إدارة الحكومة فحسب، ولا الثقافة هي مجرد فنون الأداء أو الشعر والرقص وغيرها من ضروب الفنون. ويضيف: “الثقافة ينبغي أن تكون منخرطة في عمل الناس من أجل تحسين شروط الحياة، بينما السياسة ليست سوى شروط الحياة ذاتها. بالتالي ليس من جدوى للقول أن الثقافة تعمل على شرط آخر غير الحياة التي عليها السياسة تعمل”.

عمار جمال

عمار جمال

واعتبر جمال “أن دولتي السودان لا تزال تعانيان مصائبهما وانزلاقهما المستمر نحو حضيض شروط الحياة، ولا تزال شعوبهما تحيا ضمن الموت الرهيب؛ وضمن هذا السياق الجيو إنساني  – بحسب تعبيره – يعيش الملايين على حدود البلدين، ولجوء شعوب كل طرف إلى جغرافيا الطرف الآخر باعتباره فضاء التحرُّر الأقرب، في واحدة من المفارقات الأشدّ إيلاماً للشرط بعد الكولينيالي”.

هذا الحال المشتبك لكتاب من للمشهد السوداني بعد الانفصال، ساهم في ظهور أبعادٍ مختلفة من الاتصال بين السودانَيين الثقافيَّيْن، حيث لا يغيب كتاب ومثقفون كأتيم سايمون واستيلا قايتانو وبوي جون وقرنق توماس عن حضور فعاليات في الخرطوم مثل معرض الخرطوم الدولي أو المنتديات على قلتها في الفترة الأخيرة، كما شارك من قبل الكاتب كمال الجزولي والشاعر محمد طه القدال في تدشين إصدارة أدبية للقاصة استيلا بجنوب السودان.  هذا فضلاً عن بروز الكتابة الجنوبية على المشهد العربي خاصة بعد صدور رواية “جنة الخفافيش” عن دار الساقي للنشر للشاعر والقاص الجنوبسوداني بوي جون أوانق، وفوز الروائي آرثر غبريال ياك بجائزة آفاق للكتابة لهذا العام، عن روايته يوم انتحار عزرائيل.

التحرير الثقافي

نشير إلى أنه، وفي مجال التحرير الثقافي الورقي والإلكتروني، تم الاتفاق على صيغة تعاون، مع بداية افتتاح هذا الممر، والذي تزامن مع بداية ملف ثقافي مميز في جنوب السودان عبر صحيفة (الموقف)؛ اتفقنا على صيغة تعاون ما بين الملفين ومجلة البعيد الإلكترونية الشاملة، والتي نشرت لكتاب من السودان وجنوب السودان وجميع البلدان العربية خلال السنوات الماضية؛ حيث تنشر مواد الملفات إلكترونياً على الموقع بعد يومٍ من نشرها ورقيّاً، الأمر الذي وسَّع قاعد القراءة للسودانيين في الداخل والخارج ولغير السودانيين كذلك.

جاء في الخبر المنشور على موقع مجلة البعيد: (وهو تعاون يأتي دعماً للحراك الإبداعي بتداول نشره إقليمياً إضافة إلى الفرصة التي يتيحها الموقع الإلكتروني لكسر الحدود والوصول إلى أبعد ما يستطاع. ويأتي هذا التعاون كبداية، في انتظار أن يتوسع بانضمام عدد أكبر من الفاعلين الثقافيين). وقال الشاعر والصحفي أتيم سايمون محرر ملف الموقف الثقافي ”إن الخطوة تأتي في إطار فتح منافذ الحوار و التواصل بين المبدعين وجمهرة القراء من اجل تعزيز أصرة التواصل المعرفي والفكري وتمليك المشروع الإبداعي لكافة المستفيدين في البلدين و على امتداد الكون الفسيح”.

* تم النشر تزامناً مع ملف الممر الثقافي الذي تُصدره جريدة السوداني.