أخبار

مُكاء القصائد وتصدية الجمهور استطلاع عن التلقي الشعري (3-3)

حاتم

في مقال منشور بعدد من المواقع الإلكترونية قبل أعوام بعنوان: (محمُود دَرويش.. آخرُ شعراءِ الإِلقاءِ الشِّعريِّ؟) أثار الكاتب والشاعر والمترجم محمد حلمي الريشة قضية التلقي الشعري وتحولاته، وأجاب في نهاية المقال عنسؤاله: (أعتقد هذَا؛ لأَنَّهُ – أي درويش – كانَ الأَكثرَ جمهورًا علَى الرَّغمِ منَ افْتراقهِما أَحيانًا كثيرةً، ولأَنَّه الأَعلَى غنائيَّةً بإِيقاعاتِ رنينِ قصائدهِ، والأَهمُّ مِن هذَا وذاكَ؛ لأَنَّ قصائدَهُ الحديثةَ كانتْ كأَثرِ الموسيقَى فِي الإِنسانِ؛ تُقشعِرُ الرُّوحَ بوداعتِها، وتنفضُ القلبَ بحنانٍ، وتفتِّحُ الجسدَ كُوَى أَملٍ/ حريَّةٍ/ حياةٍ!).

أعادت مقولة الريشة الأسئلة حول التلقي الشعري إلى المشهد: هل فقدت القصيدة الحديثة غنائيتها، وبالتالي أصبحت غريبة على منصات الإلقاء، ولربما الكتاب الورقي أيضاً، وانتقلت إلى صفحات الأسافير الإلكترونية وحسب؟ كيف إذن ستؤثر هذه التحولات في طبيعة التلقي الشعري وعلى طبيعة الكتابة الشعرية؟ وماذا أضافت هذه التحولات؟ ماذا يمكن أن تضيف؟ طرحنا الأسئلة السالفة على عدد من الشعراء والكتاب.

الشاعر أسامة علي أحمد يقول: “إن الذي يجعل الشاعر منبريَّاً قدرته على ملء فراغات التوقع بينه ومستمعيه، عبر بنى متفق عليها ضمناً، سواء كانت إيقاعية أو جمالية أو حتى اجتماعية وسياسية وغيرها، تصنع ما يمكن تسميته بـ (النص النموذج)، ولا ننسى الصورة الذهنية المتشكلة – مُسبقاً – لدى المتلقي لذلك الشاعر الذي يملأ فضاءات روحه بغنائية مُترفة.في انتظار هذا المتلقي، يقف الشاعر على قارعة الترقُّب، فلا غنىً له عن متلقٍّ جعلته الدراسات الحديثة شريكاً في العملية الإبداعية شراكة إن قال بها النقاد أخيراً فهي في عقل النص الباطن لحظة إنتاجه على مر العصور، متلقٍ تمناه المتنبي دهراً منشداً قصائده”.ويضيف أسامة: “هذا يأخذنا إلى سؤال التلقي، الذي يمسك.. ليسلمهم إلى أسئلة شرسة تحيط به حيث إن للفضاء المفتوح على الشبكة لا شك أثراً في القصيدة الحديثة، ونستطيع القول إنّ اتساع فرص النشر ربما أنتج قصيدة تحللت من كثير من الشروط التي هي في غالب الأحيان فنية تتعلق بالجودة”. ويتساءل أسامة: “لكن ألسنا قادرين – في المقابل – على نسف ما قرّرناه بالسؤال البسيط التالي: أليس في اتساع فرص النشر إفراد آفاق أوسع للحرية، والخُروج عن سلطة النموذج وبالتالي إنتاج قصيدة أكثر حداثة؟”.ويجيب عن سؤاله: “إن المنابر الإلكترونية منحت الفضاءات الإلكترونية الشعر جناحاً وسلبته آخر، وهي وإن أغلقت أمامه آفاقاً اعتادها، فقد فتحت أمامه سماءً أخرى”، مشيراً إلى الإيجاز الذي يفرضه التويتر، وكذلك التفاعل الذي تتيحه مواقع التواصل الاجتماعي بشكل عام، ويقول: “أضحى الشاعر يعرف عدداً من قرائه بأسمائهم، ومعارفهم، وثقافاتهم، وكل ما يشكل ذائقتهم وقدراتهم على التلقي، بل قد يستطيع توقع ردود أفعالهم؛ ما يجعلنا أمام حالة شعرية خطيرة تضع نصب عينيها إرضاء المتلقي الذي تعرفه، بل وتكتب وفق شروطه”.الشاعر والقاص والمحرر الثقافي ياسر فائز يقول في إفادته:
”منذ أن عُلِّقت القصائد على جدار الكعبة، ورغم أنه كان احتفاءً بمكانة القصيدة وليس إقراراً بمنبر آخر مُوازٍ، أو أعلى من (سوق عكاظ)؛ إلا أن التلقي الشعري بدأ يحوز مساراً جديداً، يحتفي بالمعنى وإن كان على حساب المبنى، إلا أن المبنى حينها لم يكن له أن يُعاني خللاً، وأيضاً بُهِتَ الشعراء لفترة بعد اكتمال نزول القرآن لعميق المعاني فيه التي قَصُرَ الشعر عن أن يطال مثلها”. ويستشهد فائز بمقولة ابن خلدون في مقدمته بأن تعريف الشعر بأنه كلام موزون مقفى ليس بحد له.
ويقول إن هذه المقولة تمنح شرعية نقدية لما يسمى بـ (قصيدة النثر)، ويردف: “إن سيمترية القصيدة الموزونة ذات العقلية الثنائية أنتجت (المحسنات البديعية) كمؤشر واضح على تراجع القصيدة العربية لصالح الشكل المبتذل، أثناء عصور الاضطراب الحضاري”، لكنه يشير إلى أن الموشحات الأندلسية بتركيبتها الوزنية المختلفة عن السائد في القصيدة العربية قد أنقذت الشعر العربي من الابتذال. لكن يخشى فائز من أن يقع الشعر والشعراء ضحايا السؤال المحموم حول الإلقاء الشعري، باعتباره مصدراً أساسياً أو أحد المصادر الأساسية في التلقي، إذ إنه سيكون خطلاً كبيراً منح التقنية حقا في (عقد ملكية القصيدة)، ويقول: “إن الإلقاء أو الكتابة على الورق أو الكتابة الإلكترونية، ستظل لها تأثيراتها الفادحة على التلقي، لكنها لن ترقى لتوازي تأثير القصيدة نفسها”، ويقر فائز بأمرين أولهما: أن التنوع النغمي أو الإيقاع لمكونات القصيدة (كلماتها وحروفها وخطوطها)، أي المحتوى الموسيقي للقصيدة، سواءً كان مباشراً أو لا، هو جزء أساسي، ويمتلك أهمية أكبر داخل القصيدة العربية، باعتبار أن اللغة العربية لا تخضع لتفسير سوسير بأن العلاقة بين الكلمة ومعناها علاقة اعتباطية.ثانيهما: إنه أميل إلى الكتابة أو فلنقل إلى القراءة كوسيلة في التلقي، فهي تلائم التأني الملازم للتأمل، بضرورته المحتومة في القضايا الجمالية، كما أن الإلقاء ورغم إغرائه الجماهيري، وبوصفه متنفساً للشاعر (ليمارس نوعاً من الصراخ المستحق)، فإنه سيظل يحوم قريباً من أو حول التقنيات الصوتية التي تستخدمها الخُطب، بمختلف أنواعها (الدينية والسياسية والاجتماعية)، الحماسية في أغلبها، وعلى الرغم من قدرته على التمايز عنها، لكن قدراً كبيراً من المُنجز الشعري استهلك هذه التقنية، وقدر آخر استهلكها واستهلكته.

وتقول الشاعرة المغربية ريم نجمي الاستطلاع – وهي التي ظهرت من خلال عدد من المواقع الإلكترونية: “لا أعتقد أن القصيدة الحديثة فقدت غنائيتها أو أصبحت عصية على المنابر. شخصياً عندما أكتب قصيدة النثر، أحرص على موسيقيَّة القصيدة. أعيد قراءة القصيدة التي أكتبها، وأسمعها، فحين أشعر أن انسيابها الموسيقي لا يُريحني، أضطر إلى إجراء تعديلات بسيطة على القصيدة. الأمر لا يخضع عندي إلى قواعد أو إلى احترام التفعيلة. الأمر يعتمد أساساً على الأذن وعلى الإحساس بالقصيدة. في مهرجانات عالمية ألمس عند المتلقي القادم من خارج اللغة العربية، فضولاً واهتماماً عند سماعه شاعراً عربياً وهو يُلقي قصيدته – وأتحدث هنا عن شعراء القصيدة الحديثة – لأن اللغة العربية في حد ذاتها لغة موسيقية”.
وتقول نجمي: “عندما أنظر إلى مسألة النشر على الإنترنت، أجدني حائرة شيئاً ما. فمن ناحية أعطت الشبكة العنكبوتية فرصة للشباب في إخراج إبداعاتهم وسمحت لهم بالتواصل مع قراء من نوع خاص، وهذا في رأيي أمر إيجابي. لكن من ناحية أخرى أفكِّر في كيفية التعامل مع نوعية الكتابات التي تخلو من حس المسؤولية. لكن أعتقد أن مستوى انتشار كاتب أو شاعر على الإنترنت يبقى محدوداً مقارنة مع الكاتب الذي له وجود حقيقي وملموس وله إصدارات منشورة. حتى الكُتّاب الذين نجحوا على الإنترنت من خلال المدونات الشخصية، اتجهوا بعد ذلك إلى النشر الورقي، ليكون لهم وجود ملموس”. يبقى النشر على الورق أو على الصفحات الإلكترونية مجرد إطار، فإن كان العمل الشعري مُتميِّزاً وفي مستوى الإبداع الحقيقي سيفرض نفسه بلا شك. إن المشكلة ليست مشكلة إنترنت أو نشر ورقي، وإنما الأمر متعلق بمدى تحقق المستوى الإبداعي المنشود في القصيدة”.

* شاعر من السودان

* تم النشر تزامناً مع ملف الممر الثقافي الذي تصدره جريدة السوداني