أخبار

لا يحمل أقنوما

بصمت تناول طعامه ثمّ استلقى مستندا إلى نتوءات المغارة متوسلا ذاكرته متجاهلا رجفاته العصبيّة.

-هيّا قُم إلى الصّلاة!

-لا أصلّي! …

-ألا تريد الحور العين؟ هيا، وتجهّز للتدريب!

بصمت قام مع المعلّم.

بأعلى الصخور أصاب أهدافه كاملة بكل دقّة. مسح لحيته جذلا وصاحبه يخبره بالتّأهّب. لقد نضج وبإمكانه تحمل المسؤولية الآن.

وقف أمام الباب الكبير متأملا الزّوّار والمريدين والقفاف الملآى ثم انضمّ إلى الزّحام ودخل. تابوت أخضر محاط بسياج مزخرف وحوله جلوسٌ كُثر ومن الغرف الأخرى تناهت همهمات النّساء وضحكات الأطفال المرحة. وُزّعت المسابح، رُشّ ماء الزّهر ورُمي البخور في الفحم المشتعل. وقف رجل يبدو أنه من القائمين على المقام مرحّبا بالقدوم مشجّعا إيّاهم على حسن الخشوع في الذكر حبّا في الله وبِـرا بالوليّ والبدء سيكون بألفية اسمه اللّطيف جلّ جلاله. رويدا رويدا علا صوت الذّكر الجماعي كموج يخفت ثم يعود ليهدر.

يا لطيف ويا لطيف يا لطيف ويا لطيف…

تأمّل الجموع خاشعة من حوله متعجّبا. غزته طمأنينة عذبة واستكنت رجفاته، سرعان ما انضمّ مرددا معهم ذاكرا خاشعا مثلهم. غام عقله متلذذا وتفتّحت حواسه جوعى، أغمض عن بصره علّ البصيرة ترى. مرّت صورة والدته منكفئة تنشج ووالده يصفق الباب خلفه مهتاجا ناعتا اياه بالجانج. رأى نفسه يعاقر الخمر ويستنشق السّم تكاد تتعطل فيه أقانيم الحياة. لعن نفسه وشيطانه الذي أوعز اليه بأمّه. حاول طرد الظلمة من روحه وحياته. في سرّه الشفيف سأل الله اللطف به، لأول مرّة يتذكّر الله. توسّل غفرانه كثيرا.

 سرد كل ما رآه وما سمع للمعلّم، لكم أعجبه اخلاص المريدين وخشوع الذّاكرين، أحيت روحه المنسيّة هذه الطرق الصوفية وختم قائلا:

-إنه العشق بين الربّ وعبده، لا حدود ترسمها الجنّة والنّار، تنتفي مادية الانسان وتبقى روحه جوهرا خالصا!

صاح فيه “المعلّم”:

-أفق يا فتى! هذا كفر إنّه فجور! ألا تريد الحور العين؟

بدا كل شيء غامضا أمامه، الجنّة والذّكر، المعلّم والحور العين. لا شيء يطاله عقله المنقاد، لا بل لا يحمله…

 لم ينسى طعم الصلاة مع المريدين في المسجد الملحق بالمقام. بدأت نتوءات روحه تزول مع ترديده للأذكار الصوفية وتلاوته للقرآن. لكنه لم ينسى فمنذ زمن اشترى الجنّة، خدعوه فقالوا.

اليوم يوم عيد والعيد مضاعف، المولد النبوي يوافق يوم الجمعة. النّاس جموع متدافعة يعجّ بهم مقام الوليّ والمسجد. الكلّ يصلي على النبيّ بأنفاس يعطرها البخور وماء الزّهر. خبّأ قفّته وانخرط في تيّار الذّكر الجماعيّ ولم يعد يشعر بما حوله إذ انفصلت روحه عن جسده الهزيل المتعب ورفرفت عاليا.

تَقدّمَتْ تحمل المصدح يلحقها المصوّر الصّحفيّ لمواكبة الاحتفالات. من بعيد لمحته، تأملته وقد عرفته. إنّه هو لا تخطئه مهما تغيّر، منذ زمن لم يتقابلا. واتجهت صوبه.

في ركن من المقام صدر صوت تكة بعيد ضئيل ضاع في ايقاع الحناجر الرّتيب.

محمد سيّد الثقلين والفري……

بوووووووم!

انفجار، دخان وأشلاء.

 

 

* كاتبة من تونس