أخبار

سنوات الإغتراب

قد تطول وقد يتقاصرن أيامهن، قد يكون الاغتراب ممتداً نظراً لعدم وجود البديل في الداخل، أيضا الهجرة بفعل السياسة المباشر وحفاظ الانسان على الحياة، حياته المهدرة بفعل الظلم أو مظلمة بفعل البطش، سنوات الاغتراب طالن لياليهن أو اقتصرت نهاراتها على الرجوع بمصدر الدخل المفقود حينها في وطن الجدود.

سنوات الاغتراب يا سادتي انتظمت وفق الهجرة الجماعية بدءًا من المقبور نميري وأيامه الكالحة، منتصف السبعينيات أنتجت أغنية عبارة عن مرثية، طوريتك في الطين مرمية وكوريتك يابسة ومجدوعة، لا غيبتك كانت مرضية ولا فوتك كانت مبلوعة، ثم حتى الفصول صابها الجفاف لا غيمة لا زفة هرع، والسمبر البفرح صفيره غشانا واتقاصر رجع، و(شدرنا) من لفح السموم غصنه الرقص رويان وقع، هكذا غنى مصطفى من أشعاره وأشعار مجالسيه، سنوات الاغتراب يا سادتي أخذت أخذ عزيز مقتدر خيرة شبابنا، وعظم ظهر بيوتات ما عادت سقيفتهم نفس السقيفة، ما عادت (الحيشان) محتشدة بتفاصيل اليوم وكيف أمسيتو، كيف هي الصباحات في الوطن وكيف هي المناداة بمساء الخير والمفقود أكثر من المتبقي، يا سادتي سنوات الاغتراب أبدلت الوجود ذكرى على حوائط النسيان، أظهرت معدن الانسان حين يبكي على ما افتقده أكثر من مساهمته في ابقاء اخرين على وجه البسيطة، أذكر الآن أن الغربة ميتة ممرحلة والرجعة للوطن انتحار، أغنية بطعم علقم كل العلاقات، ومدرجة ضمن مناهج التعذيب الانسانية.

الرجعة للوطن انتحار هذا ما أعنيه اليوم تماماً، لا أتحدث عن شخصي، ربما رافقني حظ المهنة التي تصلح خارجه وداخله، يمكنني العيش هناك وهنا، اليوم أستلف لسان الكثيرين من بنات وأبناء وطني، من المعلوم بالضرورة أن المملكة العربية السعودية طبقت قوانين جديدة لها علاقة بتنظيم وجود الأجنبي داخل حدودها، القوانين ببساطة تفرض رسوم شهرية على العاملين في القطاع الخاص، أيضا تفرض رسوم على التابعين والمرافقين، زوجة وأبناء والد ووالدة، هذه الرسوم تتصاعد سنوياً بدأت بمبلغ شهري عن كل شخص عبارة عن مائة ريال ستتصاعد لتصل أربعمائة ريال عن كل شخص في العام ٢٠١٩م، هذا الواقع أفرز أول ما يمكنه التمييز بين البشر أن حياة الأسر أقرب لمستحيلة في المملكة العربية السعودية، هنا لا أودّ نقاش أثر القرارات على البلد المضيف، يعنيني مباشرة أثر الواقع على ثمانمائة ألف من أبناء الجلدة رفقاء النبض، سودانيون، لم يحسبوا حساب التمييز ولَم يدخروا (ريال) الفاقة، كانوا جزءًا من أزمات الوطن أكثر من كونهم مرفهين المجاميع في الداخل، ربوا الزغب، احتضنوا اليتامى، شاركوا في تعليم أخوات وأخوة، وعطلوا ثورات كان بإمكانها إرجاعهم للوطن، فعلوا سلباً وايجاباً في الواقع السوداني، لكن لم يبخلوا، الآن هم بين مطرقة متغيرات المملكة العربية السعودية وسندان واقع اجتماعي واقتصادي سوداني لم يألفوه.

الأزمة ليست تعليم فقط ، لا ، ليست اعاشة ولا تتمظهر في طريقة لبس أو مفردات، الأزمة أن الواقع فرض على الجميع رجوع الأسر الى السودان، وحقيقة الأمر أن السودان بكلياته مختطف، ساكنيه يعانون المسغبة، قلة الحيلة واهدار الكرامة، والوطن للجميع، يعاني من أُجبر على العودة الامتثال لواقع لا يحكمه مثال، يعانون من فقدانهم كل شيء لا سكن ولا تعليم ولا صحة ولا حتى قبول اجتماعي لتفاصيلهم، أخشى أن أقول أنهم بحاجة لإعادة دمج مثلهم والمعانون من مخلفات الحروب، واقع بئيس ومؤذي ومؤلم، ثم لا حل.

أتفهم أن النظام لا يحسب حساب أحد، أتوقع أن جهاز المغتربين اقتصرت مهمته على الجباية، ثم ما بال أحزابنا السياسية؟

التعبير عن قضية آنية وعاجلة وملحة من أوجب واجبات الذي خرج على الناس يدعوهم للاصطفاف، السودانيون المجبرون على ترك المهجر في المملكة العربية السعودية لا ينتظرون الحل بقدر انتظارهم التقدير، ثم من كان في صف الانسان عليه العلم أن ظلماً حاق بمن دفع الضريبة وأرسل قبلها مصاريف تعين من استحق الاعانة، الآن هو من يستحق اعلان الحياة ومن يعينه على واقع جهله قسرا، الآن هو من يحتاج للتعبير عنه وعن مطلوباته، ولو علم أصحاب الأجندة أن جند المطالبة بالحقوق مقدم على مطالبات أداء الواجب لطالبوا بعودة بلا جمارك، عودة بلا زكاة، هم الآن ضمن مصارفها، عودة مموسقة مع اجتراح حلول، تعليم للأبناء سكن للمشردين، نعم فمعظمهم بلا مأوى، ثم صحة للمستحق، حقيقة الأمر أن الشعب السوداني بكلياته بلا مأوى ولا تعليم ولا صحة، ولكن هل تسقط مطالبة الكل حقيقة العاجل من منظومة أو فئة ؟

يا سادتي أتوكم من كُنتُم تظنونهم العصا والعكاز، أتى على باب منظوماتكم البالية من دفع حبله السري في اللا سر، الأزمة أزمة وطن والآني ان من كان يسعفنا مسجى في انتظار إسعافه.

على كل الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني العمل بجد للتعبير عن حاجتهم الملحة، مطلوباتهم لن تتعدى تعليم وصحة وكرامة استقبال، اعادة دمجهم تبدأ بتفهم اختلاف بيئة النشأة، وحقيقة الامر أن صبرهم وجلدهم يُحتذى، فمن شاب في الغربة يختلف عن من لازمه البياض وسط الرفقة وبياض النية.

ثم وطني لو شغلت بالخلد عنه، وطني من البسني كل الثياب عدا السترة من الغربة، وطني من جعل الظل معوج والقامة منتصبة ، وطني بذاته من اتكأ عليه دافعي ضريبته ثم كانوا أغراب.

قبل احتياجنا لوطن، علينا العلم ان الوطن يحتاجنا.

رجائي ان تتلمسوا حاجة العائدين وفِي القلب أمنية وفِي الجيب لا شيء ، اجعلوها حركة مطلبية تراهن على الوعي أكثر من رهانها على الأمنيات .

أخيراً تبقى اللحظات بين الرصاصة وصدري مليئة بحلم الحياة في وطن يسع الجميع.

 

 

*إعلامي وكاتب من السودان